«وفقاً للمادة 66 من دستور طاجيكستان والمادة 34 من القانون الدستوري بشأن الانتخابات الرئاسية، تعلن اللجنة المركزية للانتخابات إمام علي رحمانوف رئيساً منتخباً لجمهورية طاجيكستان». ذلك ما قالته الهيئة المشرفة على انتخابات الرئاسة الطاجيكية، والتي أوضحت أن الرئيس رحمانوف حقق انتصاراً ساحقاً بحصوله على نسبة 83?1 في المئة من أصوات المقترعين، في الانتخابات التي خاضها إلى جانبه خمسة مرشحين آخرين غير معروفين على نطاق واسع. وبذلك يبدأ رحمانوف ولايته الرابعة (من سبع سنوات) كرئيس لطاجيكستان، الجمهورية السوفييتية السابقة، حيث سيتعين عليه مجدداً التعامل مع التوترات الاجتماعية في بلد نصف سكانه يعيشون قريباً من خط الفقر. وإمام علي رحمانوف، سياسي طاجيكي يقود طاجيكستان منذ عام 1992، وقد واجه خلال السنوات الأولى من حكمه حرباً أهلية قُتل فيها نحو 100 ألف شخص، لكنه استطاع إنهاء المواجهات وفرض الاستقرار الأمني. ولد إمام علي رحمانوف عام 1952 في قرية «قلوب أوبلاست» (إقليم خاتلون)، لعائلة مزارعة تنتمي إلى «كارلوك»، إحدى القبائل التركية الرحل في منطقة آسيا الوسطى. وفي الفترة بين عامي 1971 و1974 خدم في القوات المسلحة السوفييتية، ثم تخرّج من الجامعة الوطنية في جمهورية طاجيكستان عام 1982 بشهادة البكالويوس في الاقتصاد، وانضم في وقت مبكر للحزب الشيوعي السوفييتي. وفي الفترة من عام 1976 إلى عام 1988 كان رحمانوف رئيس اللجنة النقابية للمزارع الجماعية في مقاطعة «دانجارا» بطاجيكستان. وقبيل نهاية المرحلة السوفييتية، انتخب نائباً برلمانياً في المجلس الشعبي لجمهورية طاجيكستان الاشتراكية السوفييتية عام 1990. لكن الحرب الأهلية التي شهدتها البلاد عقب تفكك الاتحاد السوفييتي واستقلال طاجيكستان، اضطرت رئيس الجمهورية راحمان نبييف للاستقالة في أغسطس عام 1992، فحل محله أكبارشو إسكاندروف الذي كان رئيساً لمجلس السوفييت، كرئيس للبلاد بالوكالة، وأصبح رحمانوف رئيساً للبرلمان. لكن إسكاندروف استقال بعد شهرين من منصبه، فاجتمع مجلس السوفييت في «خجند» («لينين آباد» سابقاً)، وقرر إلغاء منصب الرئيس ليصبح رحمانوف رئيساً للبرلمان وللحكومة في وقت واحد. وتم انتخاب رحمانوف رئيساً لجمهورية طاجيكستان لأول مرة في نوفمبر عام 1994، مباشرة عقب خلق هذا المنصب. ثم بعد تعديلات أجريت على دستور البلاد، أعيد انتخابه في نوفمبر عام 1999 لولاية ثانية مدتها سبع سنوات، وذلك بنسبة 97 في المئة من الأصوات. وفي يونيو عام 2003 دعا رحمانوف لاستفتاء عام سمح له من خلاله الطاجيكيون بالترشح لأكثر من ولايتين متتاليتين بعد انتهاء فترة رئاسته الثالثة في عام 2006، فأعيد انتخابه في نوفمبر من ذلك العام بنسبة 79 في المئة وفقاً للنتائج الرسمية. وكما يقول كثير من الطاجيك فإذا لم يكن لرحمانوف إنجاز آخر، فيكفيه إنجازه المتمثل في إنهاء الحرب الأهلية التي استمرت خمسة أعوام (1992 -1997) وقتل خلالها نحو 100 ألف شخص في المواجهات بين القوات النظامية ومقاتلي «المعارضة الطاجيكية المتحدة». وتعود بدايات الحرب الأهلية إلى المظاهرات التي شهدتها دوشنبه في فبراير عام 1990 للمطالبة باستقالة «قهار مخكاموف»، السكرتير الأول للحزب الشيوعي الطاجيكي، ثم تحولت إلى مذابح وأعمال عنف ضد أهالي المدينة من أصول روسية. وبعدئذ صعد إلى السلطة، عقب تفكك الاتحاد السوفييتي وإعلان الاستقلال عام 1991، رحمن نابييف من أهالي مدينة «لينين آباد»، فحاولت المعارضة الإطاحة به. وكانت العادة خلال العهد السوفييتي أن يحتل أبناء أهالي مدينة «لينين آباد» المناصب الإدارية الهامة، بينما يشغل المنحدرون من مدينة «اكلاب» المناصب القيادية في أجهزة الأمن والشرطة. وهي طريقة ظلت معتمدة في توزيع المواقع الإدارية والقيادية في البلاد، لكن ممثلي الطوائف الأخرى من أهالي بدخشان وغيسار وغارم، طالبوا بتغييرها بعد إعلان استقلال طاجيكستان. على هذه الخلفية بدأت المواجهة واستمرت بين عامي 1992 و1997، بمشاركة «الجبهة الشعبية» من أنصار الدولة العلمانية الممثلين للطوائف الجنوبية في إقليم هاتلون من جهة، و«المعارضة الطاجيكية الموحدة» التي مثّلها ائتلاف الإسلاميين من أهالي إقليم غارما و«الديمقراطيين» من أهالي إقليم بدخشان الجبلي من جهة أخرى. وبعد أن سيطرت المعارضة على المقار الرئيسية في العاصمة الطاجيكية لعدة أشهر، دخلت وحدات «الجبهة الشعبية»، المدعومة من روسيا وأوزباكستان، إلى دوشنبه ملحقةً الهزيمةَ بالمعارضين الذين فرّوا إلى أفغانستان المجاورة. وعندئذ تولى رحمانوف رئاسة الحكومة. لكن لم يؤد ذلك إلى إحلال السلام، حيث ظلت المعارضة تحاول تنشيط عملها، بينما جرت في عام 1995 مفاوضات في كابول بين حكومة رحمانوف وممثلي المعارضة الطاجيكية، أسفرت عن توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار، تلته عدة جولات من التفاوض، قادت في يونيو 1997 إلى توقيع «اتفاق المصالحة الوطنية الطاجيكية» في موسكو بحضور كل من رئيس الجمهورية رحمانوف وزعيم «المعارضة الموحدة» سعيد عبد الله نوري، والذي قضى بضم ممثلي المعارضة إلى الحكومة، وانخراط آلاف من مسلحيها في أجهزة الآمن الطاجيكية، والعفو عن أعضائها والسماح لهم بخوض انتخابات البرلمان واحتلال المناصب الإدارية العليا. ثم بدأت عملية عودة اللاجئين من أفغانستان، وأخذ الوضع السياسي والعسكري في البلاد يستقر تدريجياً. ويرفض رحمانوف بعض الانتقادات الغربية المتعلقة بأوضاع الحريات والديمقراطية والانتخابات وملفات حقوق الإنسان في طاجيكستان، ملقياً باللائمة على منظمات لا تريد الاعتراف بخصوصية المجتمع الطاجيكي وتركيبته الداخلية. وقد قال في رده على منتقدي معايير الانتخابات الرئاسية في عام 2006، إن «طاجيكستان بلد أكثر من 99 في المئة من سكانه مسلمون. لدينا ثقافة مختلفة، وهذا ما يجب أخذه في الاعتبار». ورحمانوف مسلم سنّي، أدى مناسك الحج عام 1997، وكثيراً ما دعا إلى توثيق العلاقات مع الدول الإسلامية الأخرى في المنطقة، لاسيما الدول الناطقة بالفارسية مثل إيران وأفغانستان. وخلال دورة لمنظمة المؤتمر الإسلامي استضافها في دوشنبيه، شجب رحمانوف استغلال الإسلام لغايات سياسية، وقال إن الإرهاب ليس له دين ولا ملة، محذراً من خطورة «الإرهاب الإسلامي» على المسلمين أنفسهم. ويتمتع رحمانوف بعلاقات مميزة مع روسيا التي تعد حليفه الخارجي الأول، لاسيما أن طاجيكستان بلد جبلي يعتمد اقتصاده على الزراعة وبعض الأنشطة التعدينية المحدودة. بيد أن رحمانوف غيّر اسمه الثاني في عام 2007، عقب حظر النهاية «أوف» المميزة لاسم الأب في الأسماء السلافية، وكانت من ممارسات الحقبة السوفييتية في آسيا الوسطى كانعكاس لنفوذ الإمبراطورية الروسية، كما حثّ الطاجيك الآخرين على الحذو حذوه في العودة إلى الجذور الثقافية والوطنية. وما الأصوات التي حصل عليها في انتخابات الأسبوع الماضي، إلا استجابة أخرى للدعوة المطالبة بمثل تلك العودة.