ما من إنسان إلا هو خاضع أو منجذب لمؤثر ما، والمثقف ليس استثناء، فهو مشدود لسلطة خفية أو ظاهرة، سلطة المال، الجمهور، الأطماع ولأهدافه الخاصة. قد يكون المثقف معبراً عن توجهات الحكم، أو النظام السياسي، كما كان فرانسيس بيكون، وميكافيللي، كلاهما كانا تابعين ومنظّرين لسلطة سياسية، وابن خلدون كان الشيء نفسه. وقد يكون فقيهاً كالقاضي والمفسر «أبو السعود» الذي كان داعماً كبيراً لإصلاحات السلطان سليمان القانوني. مفهوم المثقف طارئ وحديث، كما أنه مرتبط بتحولات القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وهو في نفسه مفهوم مثقل بالالتباس والشبهة، ومتخم بالنزعة الثورية والتمرد، وطافح بالغرور والادعاء، واليوم نشهد بروز مفهوم «المثقف المتدين»، وهذا النموذج يكاد يكون مطابقاً لثوريي الإسلام السياسي، الذي يقابل الفقيه التقليدي، و«المثقف الليبرالي». قد يكون المثقف، مؤمناً عن إخلاص بكثير من توجهات الحكم الذي يعيش في ظله، ولكنه أيضاً يعبر باستقلالية عن وجهة نظره، التي تتطابق كلياً أو جزئياً مع أهداف النظام السياسي الذي هو محسوب عليه. كثير ممن نضعهم في خانة المثقفين المستقلين، ينقادون إلى مجاملة شعارات مضرة بمجتمعاتهم وبالسلم الوطني، لأنهم يريدون إرضاء جمهورهم الذي لا يشبع نهمه إلا التمرد على السلطة السياسية. هذا النوع من المثقفين لا يتنبهون جيداً إلى أنهم أصبحوا أداة وبوقاً لنزوات العامة. إنهم في الحقيقة غير مستقلين خلافاً لما يبدو، ومحصلة نزواتهم وتقليعاتهم الفوضى والعدمية. عرفت الحضارة العربية والإسلامية أعلاماً عظاماً، مثل الجعد بن درهم، والمعري، والحارث المحاسبي. ومثل الجاحظ، وأبي حيان التوحيدي، وابن تيمية، وبشر الحافي، وهم تنويعة تشمل المتكلم والزاهد والمفكر والعالم والفقيه والأديب والكاتب، والمثقف الذي يعبر عن قناعته قدر ما تسمح له الظروف. وهم بشر كل واحد منهم كان خاضعاً لسلطة غير مادية، ابن تيمية لمذهبه ولطبيعته الشخصية، وميوله وتبعيته للسلف الحنابلة، أبو العلاء كان لظلال عاهته وعزلته وتشاؤمه ونظرته السوداوية للمجتمع تأثير كبير في فلسفته وتصوره عن المجتمع والأمراء والملوك والديانات. المثقفون المحترمون متوافرون دائماً، ولكنهم قد يتفاوتون نسبة وعدداً ووعياً، وبعض منهم لا يحسن الإفصاح عن نفسه، ولا يتقن الدعاية لكي يبني حوله هالة من الجاذبية، تضمن له المعجبين والأتباع. منهم من قد يكون غافلاً، لا يمتلك وعياً بدوره، وعن ذاته، ومدى تأثيره. بعض من قد ننظر إليهم على أنهم مثقفون مستقلون، هم مأسورون لسلطة خارج الحدود، ما وراء المحيطات، يراعونها ويلحظون رغبتها، ويتماهون مع نزواتها، ويبادرون إلى إرضائها، لكنهم غير مكشوفين لنا، لأننا نرى فيهم وجه القمر المضيء، ولكننا لا نرى فيهم الوجه الآخر المعتم. علينا أن ندرك جيداً أن الثمن الذي قد يقبضه المثقف قد لا يكون مالاً ونقداً، فهناك وجوه كثيرة لأثمان المواقف. الحريات ربما تصنع شيئاً مختلفاً تعطي الفرد بحبوحة من الخيارات، ولكن نعلم أنهم إن لم يكونوا تابعين لسلطة سياسية أو طائفية أو دينية أو مذهبية، فهم خاضعون لرغبات وسائل الإعلام، لدور النشر، ويدركون جيداً أن ما يكتبونه قد لا يجد طريقه للنشر، ولا يمكن الحصول على عائدات تمكن المثقف من امتلاك بيت فاره، وتوفير رصيد محترم، ما لم يكن ما يكتبه مرضياً للناشر. فتش دائماً عن أثمان المواقف، لتعرف أن المثالية لا وجود لها، وأن بعض من يحرق لهم البخور، هم لصوص امتهنوا إخفاء رائحتهم الكريهة. وقلة فيهم من أفنوا دهرهم (كبداً مقرحة وجفناً أرمدا). فلنتواضع قليلاً يرحمكم الله. منصور النقيدان ilovereform@yahoo.com