«ثقافة الذاكرة الجمعية» تعبير في علم «الأنثروبولوجيا الثقافية». ويعني أثر الموروث الثقافي في تحديد تصورات الناس للعالم ومعاييرهم في السلوك، هو ما ترسب في الوعي الجمعي من قيم وعادات وتقاليد وأمثال عامية ودين شعبي، ثم يترسخ هذا الموروث في الذاكرة الجمعية ويتحول من منتج تاريخي في فترة تاريخية معينة إلى مطلق خارج التاريخ. وقد يتحول من الدنيوي إلى الديني، ومن الإنساني إلى المقدس، ومن الأرض إلى السماء. وتدعم مناهج التعليم وأجهزة الإعلام ثقافة تنميط الذاكرة الجمعية. إذ يقوم التعليم على النقل والحفظ والتلقين وليس على النقد وإيجاد البدائل والإبداع. وقد كان من ألقاب العلماء «الحافظ». وتساهم أجهزة الإعلام في نشر هذه الثقافة وتحويلها إلى ثقافة شعبية ورأي عام وأداة للضبط الاجتماعي. ولذلك كان الإعلام المرئي والمسموع تحت سيطرة النظام السياسي إلى عهد قريب. كما ظلت الصحافة الحكومية هي الأوسع انتشاراً وأكثر تأثيراً على الجماهير. وتنتشر مظاهر الدين الشعبي، مثل الاحتفال بالموالد والأعياد الدينية والمسابقات في المعارف الإسلامية. والطرق الصوفية وجامعة الأزهر ومكتبة الإسكندرية جزء من الرياسة. ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية جزء من مؤسسات الدولة، بل إن مؤسسات وزارة الثقافة أيضاً مهمتها تجميل الصورة في الداخل والخارج، والرقابة الدينية والرقابة السياسية قد تساند إحداهما الأخرى ضد الحريات الفكرية والسياسية، وتظل المقدسات أو المحرمات الثلاثة ثابتة في الذاكرة الجمعية: الدين والسياسة والجنس، مصادر للسلطة الشعبية والأوامر والنواهي. وقد ساعدت على تشكل الذاكرة الجمعية طبيعة بعض النظم السياسية التسلطية التي توالت على المجتمعات والتي وجدت في الذاكرة الجمعية نموذجاً لثقافة السلطة. فثقافة الذاكرة الجمعية في نشأتها: ثقافة الحكم، وثقافة المحكوم. ثقافة السلطة وثقافة المعارضة. يتبنى النظام السياسي ثقافة السلطة كأداة للسيطرة ويهمش ثقافة المعارضة بالتكفير والاستبعاد. فإذا ما حاولت المعارضة القيام بدورها في تقييد السلطة فإنها أيضاً قد تستعمل أيضاً ثقافة السلطة اعتماداً على «الباشا» في المعارضة الليبرالية أو «الزعيم التاريخي» في المعارضة القومية أو على «الرعيل الأول» في المعارضة الدينية. ويساهم النظام الطبقي الاجتماعي القائم في ترسيخ ثقافة الذاكرة الجماعية وقسمة المجتمع إلى طبقات، أغنياء وفقراء. وأفرزت العقائد الدينية الشعبية أمثالاً عامية يستشهد بها الناس لتأكيد شرعية الذاكرة الجمعية، مثل «يا متعوس يا متعوس غير رزقك ما تحوش»، و«المتعوس متعوس ولو علقوا على راسه فانوس». و«تبقى في إيدك وتقسم لغيرك». فإذا ما نشأت الطبقة المتوسطة كحاجز بين الطبقة العليا والطبقة الدنيا، تفرز كل طبقة ذاكرتها الجماعية الخاصة بها. تغرز الطبقة العليا قيم الحرية والنشاط الاقتصادي الحر والاستثمار حتى تشرّع لغناها. فالحرية الاقتصادية للطبقة العليا إحدى مظاهر القدرية. وتفرز الطبقة الدنيا قيم البقاء، وتبدع آليات المحافظة على الحياة، فالسرقة بكافة أشكالها مثل الغش والرشوة والوساطة من وسائل إعادة توزيع الدخل! ولا فرق بين الفساد الهيكلي في الطبقة العليا التي بيدها السلطة والثروة والفساد الفردي في الطبقة الدنيا لإشباع الحاجات الأساسية وضرورات الحياة! وتفرز الطبقة الوسطى قيم القانون والنظام والإبقاء على الوضع القائم، فهي المستفيدة من ثروة الأغنياء وطاعة الفقراء. هذا ولا تمر الذاكرة الجمعية في الثقافتين العربية والغربية بنفس المرحلة التاريخية. فالثقافة العربية في نهاية العصر الوسيط وبداية عصورها الحديثة في حين أن الثقافة الغربية أنهت عصورها الوسيطة منذ خمسة قرون، وهي في نهاية عصورها الحديثة. الثقافة العربية تسعى نحو الحداثة وتنوعها بين التجديد والنهضة والتغير الاجتماعي والثورة. والثقافة الغربية تنقد الحداثة وتسعى نحو ما بعد الحداثة وتفكيك الروايات الكبرى. ولكي تصح المقارنات بين الثقافتين ينبغي أن تكون بين لحظتين تاريخيتين متماثلتين. التجديد الديني في القرن الخامس عشر في الغرب، والإصلاح الديني في القرن التاسع عشر في العالم الإسلامي، عصر النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر، وعصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر. فالعرب والغرب لا يعيشان نفس اللحظة التاريخية حديثاً ولا قديماً. ففي الوقت الذي كانت فيه الحضارة الإسلامية في فترة الازدهار في القرون الخمسة الهجرية الأولى كان الغرب في عصره الوسيط. وفي الوقت الذي انتقل فيه العرب إلى عصرهم الوسيط في القرون الخمسة التالية بعد ابن خلدون انتقل الغرب إلى عصوره الحديثة. بدأ نقد ثقافة الذاكرة الجمعية في الغرب من الداخل ابتداء من القرن الرابع عشر وبداية العلم التجريبي الجديد، والعودة إلى الآداب القديمة، واستمر في الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر، ورفض السلطة الدينية والوساطة بين الإنسان والله واحتكار تفسير الكتاب المقدس، والخلط بين السلطة الروحية والإمبراطورية الرومانية، والخلاص عن طريق الشعائر وأعمال الجوارح دون التقوى وأعمال القلوب. ثم صب ذلك كله في عصر النهضة في القرن السادس عشر، حيث تحولت الثقافة من التمركز حول النص إلى التمركز حول الإنسان، ومن العودة إلى الماضي إلى اكتشاف المستقبل، ومن النقل والحفظ والتقليد إلى النقد والتفكير والإبداع، ومن العكوف على الروح إلى التفكير في البدن. ثم صب ذلك كله في القرن السابع عشر بداية العصور الحديثة بالكوجيتو الديكارتي «أنا أفكر» دفاعاً عن العقل وبالآلة الجديدة عند «بيكون» للقضاء على الأوهام دفاعاً عن العلم. ثم انتهى ذلك كله إلى التنوير في القرن الثامن عشر وقيام الثورة الفرنسية، وتأسيس قيم الحداثة: العقل، والطبيعة والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والتقدم. وانتهى ذلك كله في القرن التاسع عشر بالثورة الصناعية الأولى وسيطرة الإنسان على الطبيعة. وبدأت الأزمة في القرن العشرين، حربان عالميتان طاحنتان، وسيادة قيم النسبية واللاإدرية والعدمية. وتنبأ فلاسفة التاريخ بأفول الغرب (اشبنجلر)، وانقلاب قيمه (ماكس شيلر)، وضياع إحساسه بالحياة (هوسرل، برجسون). والوعي الأوروبي في أزمة (بول أزار). فالغرب ينقد نفسه بنفسه، ويضع نفسه موضع الاتهام (توينبي، رسل). في حين بدأ نقد الذاكرة الجمعية في الثقافة العربية من الخارج تحت تأثير فلسفة التنوير الغربي كما هو الحال عند الطهطاوي، أو الليبرالية السياسية في الإصلاح الديني عند الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين ومحمد حسين هيكل والعقاد، أو نظرية التطور عند شبلي شميل وإسماعيل مظهر وسلامة موسى. وظلت الذاكرة الجمعية في عمومها كموروث ثقافي دون تغيير. تسودها المحافظة الدينية وأحادية النظرة والتقليد. وبدأ نقد الذاكرة الجمعية في الثقافة الغربية كحركة اجتماعية ودور تاريخي فأثر في الثقافة الشعبية الموروثة وساعد على تحررها. وكانت كتابات فلاسفة التنوير تهدف إلى تحريك الرأي العام حتى استولت جماهير باريس على سجن «الباستيل»، وحررت سجناء الفكر الجديد والرأي الحر، في حين كانت حركة الإحياء والنهضة العربية نخبوية يقوم بها علماء الدين أو الأدباء أو المثقفون المتأثرون بالغرب. وظلت الذاكرة الجمعية للناس لم تتغير، تسودها المحافظة التقليدية، ما سبب ظاهرة الخُلف بين ثقافة النخبة وثقافة الجماهير.