صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

لا تُعجِّل بالرحيل يا عامر السعدي



«زوجي الدكتور عامر السعدي مريض جداً ولا يستطيع قراءة مقالاتك، لذلك آسف لأن أسألك رفع اسمه من قائمة بريدك، وشكراً، مع التقدير الكريم، وأطيب التمنيات بالعيد السعيد. هيلما السعدي». لم أصدق هذه الرسالة المقتضبة بالإنجليزية، رغم أنها مرسلة من العنوان الإلكتروني الشخصي الذي أتراسل عبره مع السعدي منذ غادر العراق. وكيف أصدق ذلك، وأنا أتوقع منه في كل وقت رسالة عن سير العمل في مذكراته التي تتناول أخطر الصفحات المجهولة في تاريخ العراق الحديث؛ تاريخ بناء القوة العلمية الهندسية للبلد، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والقصف الإسرائيلي لمفاعل تموز عام 1981، ورد الفعل العراقي في الشروع بالبرنامج النووي، ودمار حرب الخليج 1991، التي استغرقت 42 يوماً، وقامت الطائرات خلالها بأكثر من 100 ألف طلعة جوية، وألقت 100 كيلوطن من المتفجرات شديدة التدمير، وأعقبتها مباشرة اضطرابات شملت 12 محافظة من محافظات العراق الثماني عشرة، وسبّبت خسائر فادحة للممتلكات العامة والخاصة، وبعدها «معجزة إعادة بناء الهياكل الارتكازية المدمرة للبلد»، حسب لائحة الاتهامات المعلنة ضد السعدي يوم أسَرَته قوات الاحتلال في 12 أبريل عام 2003، والتي اعتبرته «العبقرية الهندسية التنظيمية» وراء كل ذلك. قال عنه محرر الأخبار في تلفزيون «إن. بي. سي» أنه «قيصر أسلحة الدمار الشامل، وقام بتوسيع مدى صواريخ سكود، وتطوير صواريخ العباس التي قتلت عشرات الأميركيين والإسرائيليين خلال حرب 1991... إنه العبقرية التنظيمية خلف برنامج الأسلحة العراقية السوبر، وهو مهندس رفيع المستوى يحمل الدكتوراه، ويتحدث بطلاقة ثلاث لغات على الأقل».

لا تُعجِّل بالرحيل يا عامر السعدي، فالبلد يحتاج أكثر من أيّ وقت في تاريخه إلى عبقرية هندسية تنظيمية تعيد تجميع وتطوير هياكله الارتكازية المفككة، إدارياً وسياسياً وروحياً، كإعادة بناء شبكة المياه والكهرباء عام 1992 بسرعة قياسية خلال شهرين فقط، وبكلفة تعادل 200 مليون دولار، ما يعجز عنه خلال 11 عاماً النظام الذي أقامته الولايات المتحدة، ودعمته عشرات المؤتمرات والبرامج الدولية، وتريليونات الدولارات. والعراق كالقطة فوق صفيح ساخن، حسب مسرحية الكاتب الأميركي تَنيسي وليامز. «وما النصر الذي تحققه قطة على صفيح ساخن؟ تمنيتُ لو أعرف... أعتقد أن تمكث هناك أطول ما تستطيع». والسعدي والنخبة العلمية الهندسية التنظيمية للعراق مكثوا وأبدعوا فوق صفيح ساخن منذ سبعينيات القرن الماضي. ولا أعتقد أن المعضلة الطائفية غيّرت طباعهم. فالعراقيون وبلدهم بقوا على قيد الحياة لأنهم يملكون امتياز البقاء أطول ما يمكن فوق صفيح ساخن.

ومَن غيرُ عبقرية جيل السعدي من مهندسين وإداريين، يقودون حالياً مثله مؤسسات وأعمالاً خارج العراق تحقق معجزة إعادة تركيب بلد قطّعته فئة انتهازية فاسدة من مغتربين مهّدوا طريقهم لحكم العراق بإصدار «البيان الشيعي» السيئ الصيت، وحالما وضعتهم دبابات الاحتلال على سدّة الحكم في «المنطقة الخضراء» أعلنوا عن تأسيس «البيت الشيعي»! والسعدي الذي ينتمي إلى أعرق أسر العلم الشيعية، قاد أصعب المفاوضات العلمية السياسية في تاريخ الأمم المتحدة لإنقاذ بلده من كارثة الغزو. ولم يخطر ببالي يوماً مذهب السعدي وشقيقيه، طبيبي العائلة، أخصائي العيون حميد، وأخصائي الجلد نوري، وشقيقتيه، زميلتي الدراسة الجامعية في موسكو خوله (دكتورة في هندسة النفط)، ورُقيّة (مهندسة اتصالات).

«ساعدونا نساعدكم، قال ذلك الشخص الجالس على الطرف الآخر من الطاولة، وهو يبتسم، لكن لم تكن السعادة ما رأيته في أساريره، كانت عيناه خفيضتين، وطرفا فمه مرتخيين. هل كان ذلك هو الحزن أم التعب، لست متأكداً». بهذه الفقرة استهلّ محمد البرادعي، المدير العام لـ«الوكالة الدولية للطاقة الذرية» كتابه الصادر بالإنجليزية، «عصر الخداع». والشخص على الطرف الآخر من الطاولة هو عامر السعدي، كبير المفاوضين العراقيين حول نزع أسلحة الدمار الشامل. حدث ذلك قبل نحو شهر من غزو العراق عام 2003، وبالضبط بعد ثلاثة أيام من الواقعة الشهيرة في «مجلس الأمن» حين لوّح وزير الخارجية الأميركي الجنرال كولن باول بقارورة صغيرة، وقال إن ما يعادلها من الأنثراكس الذي يملكه صدام حسين كاف لقتل نصف سكان العالم.

وصوّر البرادعي في مقدمة كتابه عملية استسلام السعدي لقوات الاحتلال. «الجنرال السعدي شريكي في العشاء الحزين سلّم نفسه لقوات التحالف في 12 أبريل عام 2003، بعد أن عرف أنه الرقم 31 في قائمة أكثر العراقيين المطلوبين، وترتيبه السابع في الفئة الماسية من شدّة لعبة الأوراق سيئة الصيت». وكم عدد المخابرات الأجنبية التي كانت تسعى يوم الغزو لتصفية السعدي، الذي طلب من محطة التلفزيون الألمانية (ZDF) تصوير استسلامه، وأعلن أمام الكاميرا: «نحن لا نملك أسلحة التدمير الشامل، وسيثبت التاريخ صدقي». ويعترف البرادعي: «آنذاك علمت أن استنتاجنا الأولي بصدد الأسلحة النووية كان صحيحاً، لأنه لم يكن للسعدي سبب للكذب».

ويذكر البرادعي أن جعفر ضياء جعفر، الذي كان يتعامل بعجرفة وعصبية خلال المفاوضات حول أسلحة العراق، تجاوز الحد في أحد الاجتماعات، وسخر من اللغة الإنجليزية لأحد المفاوضين، وقاطعه البرادعي، حسب ادعائه: «لا تنس أنك وزملاءك كنتم تحتالون على الوكالة سنوات عدة، لذا لا مصداقية لكم»، إشارة إلى إخفاء العراقيين تفاصيل التخصيب النووي عام 1992. وحاول السعدي، الذي كان كبير المفاوضين، التهدئة، وقال وهو يبتسم ابتسامته المشهورة: «هذا لم يكن احتيالاً بل حيلة». والتفريق بين الاحتيال والحيلة لم يكن مجرد براعة السعدي بالإنجليزية التي قارنها معلقون أميركيون بخطل لغة وزير دفاعهم آنذاك رامسفيلد، بل الحيلة أهم مزايا تكتيك العراقيين في الحصول على التقنية المتقدمة.

ولم يكن همُّ العراقيين مجرد الحصول على سلاح ردع نووي، بل طريق الحصول عليه، والذي مسحته من ذاكرة العرب والمسلمين إحدى أكبر عمليات غسيل الدماغ في التاريخ الحديث. فالبرنامج النووي، المعروف باسمه المختصر «البرنامج الوطني»، كان «مدرسة لتأهيل العلماء وتدريب الكوادر الهندسية والتقنية». يذكر ذلك جعفر ضياء جعفر، ونعمان النعيمي في كتابهما المشترك «الاعتراف الأخير». ويعرض الباحثان «حقيقة البرنامج النووي العراقي» الذي ساهما فيه مع أكثر من 8 آلاف عالم ومهندس وتقني يمثلون النخبة العلمية والفنية للبلد. أسماؤهم وألقابهم وتخصصاتهم تعكس فسيفساء الأديان والأعراق والمذاهب والطوائف والجامعات والأكاديميات التي أعدت آلاف الكفاءات العراقية. والتقى في «البرنامج الوطني» هدف تحقيق «الكتلة الحرجة»، والتي تعني بلوغ «المادة الانشطارية» اللحظة اللازمة لإدامة التفاعل المتسلسل للمفاعل النووي، والتي تغذي نفسها ذاتياً؛ علمياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وتنقل العراقيين إلى المكانة التي يستحقونها في مصّاف الدول المتطورة.

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟