ينظر العلماء إلى المخ البشري على أنه أكثر مكونات الطبيعة تعقيداً، ليس فقط على صعيد أعضاء وأجهزة الجسم البشري، أو بين جميع الموجودات على كوكب الأرض، وإنما في الكون كله. وإذا أضفنا إلى هذا، حقيقة أن كلا منا يتعرض لتجارب فريدة خلال رحلة حياته، تساهم جميعها في تحديد الشخصية الفردية وفي تطورها بشكل مميز، يتضح لنا مدى تعقيد المشاعر والعواطف الإنسانية، ومدى اختلاف الصفات الفردية لكل منا. هذا التعقيد في المشاعر الإنسانية، والاختلاف في الصفات الفردية، ينتج عنه تباين واضح في استجابة كل منا للمواقف الصعبة والأزمات التي نمر بها. فعلى سبيل المثال، إذا تعرضت مجموعة من الأشخاص لضغوط معينة، مثل الوقوع في الدين أو المرور بأزمة مالية، فسنجد أن بعضهم قد يتفاعل مع الموقف بسلوك يميزه الاكتئاب والانطوائية، بينما قد يستجيب آخرون بسلوك يميزه القلق والهم، أو أن يكون رد الفعل في شكل تصرفات لا عقلانية أو غاضبة، كل على حسب صفاته الشخصية والفردية. ورغم أن في اللغة العامية، توصف جميع المواقف التي تسبب الضيق والكرب، بأنها مواقف مسببة للتوتر، إلا أن الأطباء النفسيين وعلماء النفس يجنحون إلى تجنب استخدام هذا الوصف الواسع، ويلجأون بدلاً عنه إلى مصطلحات أكثر دقة. ففي الاستخدام العام، يعبر التوتر عن مشاعر سلبية أو مصاعب نفسية، بمعنى أنه قد يكون سبباً للمشاعر السلبية التي يشعر بها الإنسان في وقت ما، أو أن يكون نتيجة للمصاعب التي يمر بها. وبوجه عام يتم تقسيم التوتر إلى نوعين؛ إيجابي وسلبي، وكلاهما يمكن أن ينتج إما عن ظروف وأحداث سلبية أو إيجابية. ويتم تقسيم الأحداث على أنها سلبية أو إيجابية تبعاً للشخص وحسب الظروف والمعطيات، فما قد يكون حدثاً سلبياً وبالتالي ينتج عنه نوع من التوتر السلبي لشخص ما، يمكن أن يكون لشخص آخر حدثاً إيجابياً ينتج عنه نوع من التوتر الإيجابي. كما يقسم التوتر إلى أنواع على حسب طول فترته، مثل التوتر المزمن الذي يشكل نوعاً من الاستجابة الفسيولوجية للضغوط النفسية التي يتعرض لها الإنسان لفترة طويلة من الزمن. وفي الوقت الذي تكون فيه أسباب التوتر غالباً نفسية المنشأ، نجد أن ديناميكياته تحمل أيضاً في طياتها عوامل وعمليات بيولوجية معقدة ومتعددة. وربما يكون أهم هذه العوامل استجابة خاصة من الغدد الصماء، في شكل إفراز لهرمونات الأدرينالين والكورتيزون، وهي العملية التي إذا استمرت لفترة طويلة، فقد تؤدي إلى أضرار فادحة في الصحة البدنية والصحة العقلية، إلى درجة قد تؤدي مثلاً إلى تغييرات تركيبية دائمة في المخ. وهو ما يعني أن التوتر المزمن حالة طبية مرضية، لها تبعاتها الصحية، ومضاعفاتها الخطيرة، التي قد تتطلب التدخل الطبي من خلال الأساليب العلاجية المختلفة. وتصنف الأسباب التي تؤدي للمصاعب النفسية في مجملها، ضمن ثلاث مجموعات رئيسية؛ هي مجموعة الأسباب البيولوجية، ومجموعة الأسباب والعوامل الاجتماعية، ومجموعة الأحداث الحياتية، أي الظروف والأزمات والتجارب التي قد نمر بها في حياتنا اليومية. وتعتبر الأسباب البيولوجية، مثل تركيب المخ وطريقة أدائه لوظائفه، وتركيب الأعصاب والخلايا العصبية، بما في ذلك الوصلات الرابطة بينها، جميعها عوامل فائقة الأهمية في تحديد الحالة النفسية، وفي احتمالات الإصابة بالاضطرابات العقلية أو النفسية. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي أي عامل يؤثر على سلامة وصحة المخ، إلى تأثيرات تابعة على الحالة النفسية. ولكن لا يمكن النظر للإنسان، وخصوصاً على صعيد مشاعره وحالته النفسية، على أنها نتاج الجينات والتركيبة الوراثية فقط، فالإنسان في البداية والنهاية هو كائن اجتماعي، بمعنى أنه يتفاعل بشكل دائم مع أفراد جنسه ليشكل مجموعة من العلاقات الاجتماعية المعقدة، ينتج عنها تراتب أو تركيب اجتماعي، يؤدي في شكله الإجمالي للمنظومة المعروفة بالمجتمع. ولا تقتصر أهمية هذا التفاعل الاجتماعي على محوريته في تشكيل المجتمع، بل يعتبر أيضاً من الحاجات الإنسانية الضرورية للحفاظ على الصحة النفسية والبدنية، بحيث يؤدي نقصانها أو انخفاضها، من خلال العزلة الاجتماعية، أو الشعور بالوحدة، إلى تبعات صحية بدنية ونفسية سلبية، وربما حتى الوفاة المبكرة. حيث أظهرت بعض الدراسات أن العزلة عن الأهل والأصدقاء، ارتبطت بارتفاع خطر الوفاة، بمقدار 26 في المئة، مقارنة بالأشخاص الذين كانوا يتمتعون بمستوى جيد من التواصل والتفاعل الاجتماعي مع الآخرين. وبخلاف كون العزلة الاجتماعية تؤدي في حد ذاتها إلى اضطرابات واختلالات عقلية، مثل الاكتئاب، والميول الانتحارية، والشعور بالاضطهاد، يؤدي تدهور الحالة النفسية الناتج عن العزلة الاجتماعية في حد ذاته إلى أمراض عضوية. فمنذ قرون، أدرك الأطباء مدى تأثير الحالة النفسية على الحالة الجسدية. مما يجعل الأوقات التي نقضيها مع الأهل والأصدقاء، أو حتى مع بقية أفراد المجتمع ضمن الشبكة الاجتماعية الواسعة، إحدى سبل الوقاية من الاعتلالات النفسية، والاضطرابات البدنية، وربما على نفس القدر من الأهمية التي تحظى بها السلوكيات الصحية الأخرى. د. أكمل عبد الحكيم