تفاقم متواصل للمحنة السورية... وأزمة ثقة في العلاقات الأوروبية- الأميركية المسؤولية الدولية عن استمرار محنة الشعب السوري، والتجاذب الأوروبي الأميركي حول تهم التنصّت، وسقف المتوقع من مفاوضات النووي الإيراني، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية. ما بعد الأسد تساءل الكاتب الفرنسي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط تييري بواسيير في عنوان مقال بصحيفة لوموند: «هل يستطيع السوريون إدارة مرحلة ما بعد الأسد؟»، مبرزاً في بداية تحليله بعض التحولات الاقتصادية والسياسية السابقة التي عرفتها سوريا منذ اتجاه النظام في سنة 1991 إلى تبني بعض سياسات الانفتاح النسبي على اقتصادات السوق، حيث تم حينها إدخال جرعة محسوبة من السياسات الليبرالية على الاقتصاد السوري، ولكن منذ ذلك التاريخ والبلاد تعرف اضطرابات وحالة عدم استقرار عامة. كما تعاظمت بفعل تلك السياسات أيضاً دواعي الاحتقان ومظاهر التفاوت الشديد بين شرائح السكان في البلاد حيث زادت معدلات الفقر، وارتفعت معدلات الفساد، وتفاقم تهميش سكان الأرياف، واتسعت الشقة إلى حد بعيد بين المدن الكبيرة والأحياء الثرية والضواحي المهملة والأحياء المهلهلة على أطراف كبريات المدن السورية. وزاد الأمر سوءاً تحول البلاد في السنوات اللاحقة إلى ما يشبه السجن الكبير الذي تغولت فيه أجهزة النظام وحزبه الحاكم، وكان السوريون يتحملون كل تلك المعاناة ويغطون على صنوف الفقر والفاقة بفعل التضامن الأسري والاجتماعي التقليدي فيما بينهم. ولذا فحين خرج المتظاهرون السوريون في مارس 2011 كانت التظاهرات أصلاً مطلبية وسلمية وبعيدة عن العنف بشكل لا جدال فيه. ولكن ردود الفعل القاسية والدموية من قبل أجهزة النظام على المحتجين السوريين السلميين، هي ما حوّل احتجاجاً عادياً إلى ثورة، ومن ثم إلى أزمة، ثم ما يشبه حرباً أهلية، سقط فيها الآن أكثر من 100 ألف قتيل، وهجّر ملايين آخرون في الداخل والخارج، وارتمت البلاد في حالة صراع عارم، تحول الآن إلى محنة إنسانية، وأزمة دولية صاخبة. ويرى الكاتب أنه في اللحظة التي احتكم فيها طرفا الصراع إلى السلاح ومنطق القوة والعنف كان في مقدور المجتمع الدولي عمل الكثير لدعم انتفاضة الشعب السوري في وجه قسوة قوات النظام، والطريقة الوحشية التي تعاملت بها مع المدنيين العزل. ولكن قليلٌ هو ما قدمه المجتمع الدولي لهذا الشعب في بداية محنته، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى، الكفيل بتجنيب المدنيين الوقوع ضحايا لتلك المجازر التي أصبح العالم كله يعرف الآن الكثير عن أهوالها، والتي اقترفها النظام لأن أحداً لم يحدد له منذ البداية خطوطاً حمراء جادة تشعره بأن سفك دماء المدنيين العزل هو الخط الأحمر الحقيقي، الذي لا يمكن السكوت على تجاوزه بأي شكل. هذا في حين ظل أنصار النظام وحلفاؤه منخرطين في تواطؤهم معه، زاعمين أنه يتعرض لـ«مؤامرة» كونية، متجاهلين بذلك أسباب الأزمة من فقر وفاقة وظلم ومظالم مزمنة. وبهذه الكيفية استمرت المجزرة ضد المدنيين بجميع أنواع الأسلحة الفتاكة الثقيلة، وبالصواريخ الباليستية، وطائرات ميج- 21 ما أدى إلى تخريب وتدمير أحياء كاملة، بل مدن وقرى وبلدات سويت بالأرض، ودمرت بشكل كامل، أو شبه كامل. كما أخذ الاستهداف والعدوان على المدنيين أبعاداً وأشكالاً غير إنسانية أخرى كفرض الحصار والتجويع على المدنيين، كما وقع قبل أشهر لمخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في جنوب العاصمة دمشق، وكذلك بلدة المعضمية في منطقة الغوطة، التي تتوارد منها صور أطفال يتضورون جوعاً ويبدو عليهم هزال سوء التغذية، بفعل المنع الخانق لوصول أية إمدادات غذائية إلى البلدات المحاصرة من طرف قوات النظام. وفي هذا السياق يؤكد «براسيير» أن المجتمع الدولي يتحمل المسؤولية كاملة عن المحنة الإنسانية الجارفة الجارية الآن في سوريا، وهي أفظع وأشنع محنة في زمننا هذا، وأقل ما يمكن أن يقال عنها هو أنها تقاعس دولي عن مد يد المساعدة لشعب معرض للإبادة. والأكثر مدعاة للنقد هنا هو تراخي اهتمام الرأي العام الغربي وضعف تجاوبه مع حجم المحنة السورية وتركيز اهتمامه على معاناة بعض الأقليات الدينية. ومن جانبها باتت بعض الحكومات الغربية تنظر هي أيضاً إلى الأزمة من زاوية قبول نظام دمشق تدمير أنواع من السلاح مثل الكيماوي الأكثر خطورة (على إسرائيل)، يقول الكاتب، بدلاً من بذل المزيد من الجهد لتخليص السوريين من نظام جرعهم كل هذه المعاناة. وهو ما يستطيع المجتمع الدولي تقديم الكثير بصدده، أولاً لمساعدة الشعب السوري على التخلص من الجماعات المتطرفة والإرهابية الأجنبية، وثانياً لدعمه بعد ذلك على بناء نظام ديمقراطي جديد، في مسار توافقي وطني. وليس السوريون في تطلعهم لطي صفحة هذا الماضي الدموي، وبناء نظام سياسي ديمقراطي، أقل قدرة من الدول الأوروبية نفسها، بعد خروجها مباشرة من أهوال الحرب العالمية الثانية. أزمة مصداقية في مقال بعنوان «أوباما- ميركل: سؤال المصداقية» تحدث الكاتب بيير روسلين في مقال بصحيفة لوفيغارو عن قضية أزمة الثقة الراهنة بين برلين واشنطن على خلفية تنصت وكالة الأمن القومي الأميركية على ألمانيا، وهي قضية حساسة تثير جدلاً على جانبي الأطلسي منذ أسابيع. وزاد من زخم القضية بين الطرفين الأوروبي والأميركي، خاصة كونها قد مسّت في النهاية علاقات ومستوى الثقة بين أكثر شخصيتين جاذبية سياسية وهما ميركل وأوباما. ومن المعروف أنه إذا كانت ثمة حكومة ليس لديها ما تخفيه عن أوباما فهي حكومة المستشارة الألمانية. ومع هذا هنالك أيضاً من يتساءل: ما العجيب في الأمر؟ طالما أننا نعرف أن الجميع يتنصّت في النهاية على الجميع! ولكن عندما تكون لذلك تداعيات على زعامات تسيّر العالم، وتؤثر فيه بشكل كبير، فهذا هو ما يصنع الفرق! ولاشك أن ميركل في انزعاجها البالغ مما قيل عن تنصّت وقع على هاتفها الشخصي، إنما تنطلق في ذلك من خبرتها في ألمانيا الشرقية السابقة، حيث كان جهاز الأمن السري الشيوعي الرهيب «الستاسي» يعد على الناس أنفاسهم، ويجعل المرء يرتاب في جاره، ويخاف من كل شيء. ولكن مع هذا، يقول الكاتب، فلا مجال لمقارنة دولنا الديمقراطية مع ألمانيا الشرقية السابقة. كما أن حجم الاستياء وانعدام الثقة أيضاً في أوروبا وأميركا الآن ليس متوقفاً على ميركل وأوباما، فثمة أزمة ثقة عارمة تجتاح دول الغرب عموماً. والأزمة العامة التي نمر بها في مجتمعاتنا الموصوفة بالمتقدمة هي في الواقع أزمة ثقة. وهذا هو اسمها الحقيقي. ويكفي للدلالة على ذلك، وقبل تفجر قضية التنصّت الأميركي، أن الزعماء الأوروبيين احتاجوا إلى عقد سبعة وعشرين اجتماع قمة في مواجهة الأزمة النقدية لكي يصرّح أخيراً رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي بأن «كل ما هو ضروري» سيتخذ للحفاظ على العملة الموحدة. وهذا التردد تعبير عن هشاشة المؤسسات السياسية الأوروبية، وعدم فاعليتها واهتزاز الثقة الذي تعانيه. وفي الأخير خلص الكاتب إلى أنه لم يعد ممكناً إخفاء شيء، في عالم يظهر فيه فجأة أشخاص أمثال مانينج، وسنودن، وأسانج، وغيرهم ممن يدعون الدفاع عن ثقافة المكاشفة والشفافية. ولاشك أن لتسريبات أمثال أولئك الأشخاص ثمناً باهظاً: اهتزاز الثقة في العمل السياسي، وفي القائمين عليه. وإذا كان هاتف ميركل قد تعرض للاختراق والتنصت من قبل حليف مثل أوباما، فليس لذلك سوى معنى واحد، هو أن علاقات الدول، حتى لو كانت صديقة، لا تقوم في النهاية إلا على ضمان مصالحها الخاصة، التي كثيراً ما تكون متعارضة ومتناقضة. الحوار مع إيران نشر عدد من السفراء الأوروبيين السابقين في طهران مقالاً في صحيفة لوموند استعرضوا فيه ما يعتبرونه تحولات محسوسة في المشهد السياسي الإيراني الراهن بعد انتخاب حسن روحاني في رئاسة الجمهورية، منطلقين في دعوتهم إلى الاستمرار في الحوار مع إيران من مؤشرات سجلت مؤخراً منها عودة انطلاق المفاوضات بين طهران ومجموعة الخمسة + 1 حول النووي الإيراني، وما قيل إنه مستوى جديد من المرونة أظهرته طهران خلال جولة التفاوض الأخيرة، حيث يتوقع أن يتم تعميق النقاش حول عرض إيران في جولة أخرى مقررة خلال هذا الشهر أيضاً. واعتبر السفراء أن مسار التفاوض بين المجموعة وإيران كان في حالة انسداد حقيقي قبل التطورات الأخيرة. واعتبر كتاب المقال أن العقوبات وخاصة ما يمس منها النفط والنظام المصرفي كان لها تأثير بالغ على الموقف الإيراني، داعين إلى إسراع الخطوات الآن لاستكمال جهود المسار التفاوضي الراهن، وذلك لأن لضرورة التوصل إلى تسوية تنهي هذه الأزمة المعقدة. ولذا ينبغي عدم تضييع الفرصة مرة أخري، بما فيه مصلحة جميع الأطراف المتفاوضة، وأيضاً الأطراف الإقليمية الأخرى المعنية، في النهاية، بأزمة النووي الإيراني. ولاشك أن كل شعوب الشرق الأوسط تنتظر الآن تحقيق نهاية مقبولة لهذه الأزمة، بما يبعد عنها المخاطر، ويدعم أجواء السلام والاستقرار في المنطقة. إعداد: حسن ولد المختار