رغم السير العديدة والمتنوعة التي كتبت عن حياة وفلسفة غاندي وحاولت تعقب مساره الحافل بالأحداث والأفكار، فضلاً عن نضاله ضد المستعمر والعنف، فإن الكثير منها يبقى قاصراً من الناحية المنهجية على الأقل. وهذا ما دفع المؤرخ الهندي، رامشاندرا جوها، إلى خوض تجربة مختلفة لإعادة كتابة حياة غاندي من خلال مؤلفه «غاندي قبل الهند»، متبعاً منهجية مختلفة في البحث والكتابة استقى دروسها من تجربته في كتابة السير. يحرص الكاتب بداية على توضيح منهجه تجنب التسرع في توقع مسار الأحداث، فعادة ما يتم القفز إلى خلاصات تكون أحياناً خاطئة بالاعتماد على أفكار الشخص المعني وتحولاته الأيديولوجية، والحال -يقول الكاتب- إنه يصعب وضع استنتاجات قاطعة استناداً إلى تصورات قد تكون تغيرت عبر الزمن، فالأمر يتعلق بأشخاص يتطورن في مسارهم الحياتي وهم معرضون لتغيير قناعاتهم. وهنا يشير الكاتب إلى تجربته السابقة مع سيرة «فيريي إلدوين» الذي تبين وهو يبحث في الأرشيف أنه بدأ حياته عندما قدم للاستقرار في الهند كقس إنجيلي متحمس، ثم تحول إلى راهب كاثوليكي، وأخيراً اعتنق البوذية. أما الدرس الثاني فهو إيلاء العناية القصوى للشخصيات الثانوية، لاسيما وأنها تعلب دوراً أساسياً في تكوين شخصية موضوع السيرة، ويكون تأثيرها حاسماً أحياناً في توجيه وصياغة أفكاره. وفي القاعدة المنهجية الثالثة يحذر الكاتب من مغبة الاقتصار فقط في كتابة السيرة على ما تركه الشخص المعني من أعمال موثقة، بل يتعين أيضاً البحث في تلك الكتابات الثانوية التي عادة ما تظل مخبوءة ومحجوبة عن الأنظار، مثل المراسلات التي تحوي معلومات ثمينة لابد من الرجوع إليها لبناء سيرة مكتملة. وبعد أن يفرد الكاتب قسطاً من الكتاب لتوضيح المنهج الذي اتبعه، يمر إلى سيرة غاندي الثرية. فرغم العمل الضخم والمرجعي الذي خلّفه غاندي، «الأعمال الكاملة للماهتما غاندي»، قرر الكاتب تقصي شهادات أخرى لم ترد في الكتاب، لاسيما مراسلاته مع أصدقائه، فكان عليه البحث عنها في مكتبة أحمد آباد بالهند، وأيضاً شد الرحال إلى لندن وجوهانسبيرج بجنوب أفريقيا، وحتى إلى نيويورك وواشنطن. وبالإضافة للمراسلات، تعقب المؤرخ ما كُتب عن غاندي في الصحف المحلية والبريطانية، وما دبج عنه في صحف جنوب أفريقيا خلال فترته هناك، وهو أمر أغنى سيرته الذاتية وجعلها أكثر اكتمالا، خاصة أنه لم يقتصر على شخصية غاندي في تتبع حياته، بل اهتم إلى جانب ذلك بالشخصيات الأخرى التي أثثت حياته. فبعد عودة غاندي إلى الهند من جنوب أفريقيا عام 1915 التف حوله عدد من الأتباع الذين ساعدوه في نقل «حزب المؤتمر الوطني» من صبغته الحضرية المتجذرة في الطبقة الوسطى إلى حركة واسعة تضم جميع الأطياف. ولعل من أشهر الشخصيات التي اضطلعت بدور بارز في بلورة شخصية غاندي جواهر ال نهرو ومولانا عبد الكلام آزاد. بيد أن قضايا المنهج لا تغني عن التفاصيل التي يسردها الكاتب، مشيراً إلى المحاولات الأولى الفاشلة لغاندي في تكريس نفسه كمحامٍ لدى المحكمة العليا في بومباي، ليسافر إلى جنوب أفريقيا لحل نزاع نشب بين تاجرين هنديين على أمل العودة إلى الهند بعد حل القضية، لكن مقامه هناك امتد لعدة سنين استطاع خلالها فرض نفسه كمحام يدافع عن العمال والطبقات الكادحة، فضلا عن التجار والميسورين، ليجد نفسه عبر احتكاكه بقضايا المجتمع ومظاهر الظلم والتمييز السائدة وقتها، منجذباً إلى السياسة، فلعب دور الوسيط بين السكان والحكومة، وتصاعد نضاله بين 1906 و1909، ثم مرة أخرى في عام 1913 عندما قاد مظاهرات ضد القوانين العنصرية التي سعت لتقييد الهجرة الهندية وحرمان الهنود في جنوب أفريقيا من حق التملك وممارسة تقاليدهم. ويرى الكاتب أن المدينة التي ساهمت في صياغة غاندي وتشكيل شخصيته هي جوهانسبيرج التي عاش فيها من عام 1903 حتى عام 1913. ومن الشخصيات التي أثرت في حياة غاندي، يورد الكاتب مجموعة من الأسماء مثل الصحفي الإنجليزي اليهودي «هنري بولاك» الذي استقر في جنوب أفريقيا وعاش مع غاندي في بيت واحد، بالإضافة إلى سكرتيرته الشخصية سونجا سليشن، التي اطلع من خلالها على الحركة النسائية وغيرت بعض قناعاته المحافظة... هذه الشخصيات إلى جانب مؤثرات أخرى ساهمت في تشكيل فكر غاندي وفلسفته القائمة على النضال السلمي لنيل الحقوق. زهير الكساب الكتاب: غاندي قبل الهند المؤلف: رامشاندرا جوها الناشر: آلان لين تاريخ النشر: 2013