ضمن نشاطه البحثي والعملي المكثف، نظم مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية المنتدى العاشر للتعاون الكوري الشرق أوسطي، وذلك في الأسبوع الماضي بالعاصمة الكورية سيئول، حيث تم تناول مواضيع اقتصادية واستراتيجية مهمة تتعلق بجوانب عديدة، يأتي من ضمنها التعاون المتنامي بين بلدان الشرق الأوسط وكوريا والاستفادة من التجربة التنموية الكورية المميزة. ومن بين بلدان الشرق الأوسط، تحظى العلاقات الإماراتية الكورية بأهمية خاصة لشموليتها وتعدد أوجهها، والتي تمتد لتشمل مجالات التجارة والاستثمار والخدمات، والاتصالات والتقنيات الحديثة والطاقة النووية. وفي المجال التجاري، فقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الإمارات وكوريا 22 مليار دولار في العام الماضي 2012 في حين وصل التبادل التجاري مع دول مجلس التعاون الخليجي إلى 112 مليار دولار، وهو ما يشكل نسبة كبيرة تبلغ 11 في المئة من التجارة الخارجية لكوريا، في الوقت الذي يصل فيه حجم الاستثمارات المتبادلة بين الدولتين إلى 3.2 مليار دولار، كما بلغ حجم العقود التي حصلت عليها الشركات الكورية في الدولة 28 مليار دولار في عام 2012، وبارتفاع بنسبة 9.4 في المئة عن عام 2010، حيث تأتي عقود بناء أربع محطات للطاقة النووية في مقدمة هذه العقود، التي فازت بها الشركات الكورية بعد منافسة حادة مع شركات عالمية، مما يدل على مدى الأهمية التي تتصف بها العلاقات بين دولة الإمارات وكوريا الجنوبية، وتعمل في الوقت الحاضر في دولة الإمارات 300 شركة كورية، في حين تعتبر الإمارات أكبر سوق للصادرات الكورية في المنطقة. وفي نقلة نوعية شكلت زيارة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة لكوريا في عام 2010 نقطة تحول في العلاقات بين البلدين، ففي مجال الطاقة يتم الآن تخزين 6 ملايين برميل من خام أبوظبي في كوريا، كما شكل في العام نفسه مجلس الأعمال الإماراتي الكوري لإيجاد شراكة استراتيجية بين الجانبين. وفي هذا الصدد، من المهم مستقبلاً التركيز على الكيفية التي يمكن من خلالها تنمية وتدعيم هذه الشراكة الاستراتيجية بين دولة الإمارات وكوريا الجنوبية، والتي ستجد لها انعكاسات على علاقات كوريا بدول مجلس التعاون الخليجي بحكم السوق الخليجية المشتركة، حيث يمكن تسريع المباحثات لإقامة منطقة للتجارة الحرة بين الجانبين من خلال مجلس التعاون، والتي ستؤدي إلى تسهيل التبادل التجاري وتنميته بفضل إلغاء الحواجز الجمركية، مما سيرفع من القدرة التنافسية للمنتجات الكورية والإماراتية الخليجية. وفي الوقت نفسه يعتبر الاقتصادان الإماراتي والكوري من أكثر الاقتصادات ديناميكية في العالم، مما يعني توافر إمكانيات حقيقية وكبيرة للتعاون في مجالات الطاقة، كتلك الاتفاقية التي وقعت بين شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» وشركة النفط الكورية «كنوك» للتنقيب عن النفط، وذلك إضافة إلى الفرص المهمة في قطاع الاستثمار والخدمات والاتصالات والصناعة، كصناعة البتروكيماويات وصناعة السفن. وفي سبيل تحقيق ذلك، لا بد من تعزيز التعاون في المجال المالي والمصرفي والذي لايزال متواضعاً رغم أهميته الكبيرة والمتنامية للاقتصادات الحديثة، فتواجد المؤسسات المالية والمصرفية لدى الجانبين متواضعة حتى الآن، وذلك رغم أهميتها لتنمية العلاقات والتنوع الاقتصادي بين الجانبين، حيث يمكن افتتاح المزيد من المؤسسات المالية والمصرفية المتبادلة، بل وإقامة مؤسسات مالية مشتركة. هذه بعض من التوجهات العملية التي يمكن أن تساهم في تنمية الشراكة الاستراتيجية بين دولة الإمارات وكوريا الجنوبية، والتي يمكن دراستها والعمل على تنفيذها، مما سيشكل نقلة نوعية أخرى تعزز من العلاقة مع شريك يمكن الوثوق به، حيث يمثل دور المركز نقطة ارتكاز مهمة للمساهمة في تنفيذ هذه التوجهات. د.محمد العسومي