القرار السعودي بالاعتذار عن عضوية مجلس الأمن للعامين القادمين، فاجأ الكثيرين في أنحاء العالم، بمن فيهم بعض المتخصصين في دراسة هذا البلد العربي الإسلامي الكبير. وفي الطبعة الأولى من السياسات الخارجية للدول العربية، والتي ظهرت إلى النور في عام 1984 في الولايات المتحدة، كانت مسؤوليتي -عن اختيار- أن أكتب الفصل الخاص بالمملكة العربية السعودية، واستمر هذا التقليد مع الطبعة الثانية في عام 1991، ثم في الطبعة الثالثة في عام 2008. لذلك فقد تابعت سياسة هذا البلد المحوري لما يقرب من ربع قرن، وبالطبع عن طريق القراءة. لكن أيضاً عن طريق مقابلات علمية ونقاشات مع زملاء سعوديين، خاصة بعض الدبلوماسيين القريبين من مركز صناعة القرار، سواء في الرياض أو في الخارج. وقد استهوتني كثيراً سياسة هذا البلد الذي يتجه إليه المسلم خمس مرات يومياًً في صلواته، ثم يكون منتهى أمله قبل الوفاة أن تطأ قدماه تراب مكة المكرمة والمدينة المنورة، ليصلي في بيت الله الحرام ويتبرك بقبر الرسول صلى الله عليه وسلم. شعرت أن السعودية تُجسد فعلاً المفهوم الجديد في العلاقات الدولية -القوة الناعمة- حتى قبل أن يظهر هذا المفهوم بمنطوقه الحالي في الكتب الأكاديمية. وفي الواقع فإن تجوال أي منا في دول العالم المختلفة يجعله يرى بنفسه أهمية هذه القوة الناعمة في العدد المتزايد للجوامع، حتى في الدول الغربية المسيحية، أو في تكوين الأئمة. وقد جاءت الثروة النفطية لتعطي السعودية القوة المادية الضاربة لتدفع بقوتها الناعمة أكثر فأكثر. لكن في تحليلاتي المختلفة لهذه السياسة، وعلى امتداد سنوات طويلة، كان هناك لغز يُحيرني، كتبت عنه صراحة وناقشته مع العديد من المسؤولين السعوديين، ولم أحصل على إجابة شافية. هذا اللغز هو ما أسميته «رتابة» السياسة الخارجية السعودية، حيث تصبح هذه «الرتابة» لدى البعض، شيئاً غريباً في عالم العولمة الذي يموج بالتغيرات المتسارعة. وفي أثناء مقابلاتي العلمية مع بعض المسؤولين السعوديين كانت بعض الإجابات بالربط بين الرتابة والاستقرار، وفي رأيي هما في الواقع شيئان مختلفان، لأن عملية التغيير نفسها قد تكون نوعاً من الاستقرار عندما يتكيف المرء أو المجتمع مع بيئة متغيرة، وإلا تأخر وإصابه الوهن أو الضعف والموت. إحدى الإجابات أيضاً من بعض المسؤولين السعوديين أن المزاج السعودي بطبعه لا يميل إلى التغيير، والذي يربطه في بعض الأحيان بالتحول المفاجئ أو الثوري وغير المدروس، بينما كانت السياسة الخارجية السعودية تضع نفسها دائماً في مواجهة التوجه الثوري منذ أيام عبدالناصر في الخمسينيات والستينيات، وفي مواجهة الاتحاد السوفييتي والاشتراكية الدولية حتى قبل ذلك. القرار السعودي برفض عضوية مجلس الأمن هو إذن خارج الإطار، وهو في الواقع يمكن تفسيره على أنه قرار ثوري، ليس فقط لأنه فاجأ العالم، ولكن أيضاً في مضمونه وتداعياته. فإذا كان التكرار، وحتى ترديد الشعارات، يسيطر على الكثير من السياسة الدولية، فإن أغلبية هذا التكرار يكون داخل أروقة الأمم المتحدة وعلى منصتها. وفي الواقع ليس هناك مكان في السياسة الدولية أكثر رتابة ومللاً من هذه المنظمة، سواء في نيويورك أو جنيف. القرار السعودي هو ضربة قوية إذن لنمط عمل المنظمة الدولية. وقد يكون هذا القرار المفاجئ أيضاً بداية لسلوك آخرين يشعرون بعدم الرضا تجاه المنظمة الدولية، ويودون أيضاً التعبير عن عدم الرضا هذا، أي قد يكون القرار السعودي المفاجئ بداية حركة «ربيع احتجاجي» ضد الأمم المتحدة والمطالبة بالبدء من هذه المبادرة، ليس من القوى الثورية التقليدية التي اعتادت على انتقاد الأمم المتحدة، ولكن من جانب قوى يعتبرها الكثيرون من القوى المحافظة. وبالرغم من أننا لا نعرف بعد دخائل القرار السعودي وما دار في كواليسه، إلا أن القرار هو أيضاً بادرة لفت نظر قوي -بل إنذار- إلى أكبر حلفاء السعودية، أي الولايات المتحدة الأميركية. فالدولة الكبرى في أي نظام هي عادة حامية هذا النظام وخاصة مؤسساته، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، لذلك قد يكون القرار السعودي احتجاجاً أيضاً على تخبط السياسة الأميركية، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تواصل السياسة الأميركية تأييدها لإسرائيل مهما كانت درجة تعنتها ضد الحقوق العربية. ثم هناك التخبط تجاه الحرب الأهلية الدامية في سوريا، علاوة على فتح ملفات التحاور مع إيران دون التنسيق أو حتى التشاور مع حلفاء واشنطن وأقرب دول الجوار مع طهران. قد يكون إذن هذا القرار السعودي المفاجئ بداية لتغيير أكبر في السياسة السعودية، وحتى التعامل والتنسيق مع شركاء جدد بدلاً من واشنطن، من فرنسا إلى روسيا مروراً بالصين. لكن هل سيستمر التغيير أم أنه قرار منفرد؟ انتظاراً لتطورات المستقبل، فلنستمتع الآن ببعض الإثارة لقطع ملل السياسة.