اكتشفت مدرسة علم النفس التحليلي عمقاً مخيفاً في تركيبة الدماغ وهو عالم «اللاوعي» الذي ترى أنه يتحكم في 95% من تصرفاتنا من حيث لا نشعر أمام 5% من الوعي الذي يظهر على السطح، مثل ضوء المنارة على شاطئ المحيط. إن اختبار «ستافورد ـ بينيه» Staford-Binet الذي وضع اختبار الذكاء (IQ) لم يعد يعتد به أمام كشف «هوارد جاردنر» الذي طرحه في كتابه «أطر العقل» Frames of Mind عام 198، الذي يرى أن العمليات المنطقية والرياضية واللغوية لا تمثل إلا بوابة صغيرة من فهم الذكاء الإنساني، ليقترح سبعة أبواب جديدة لكشف القارة المجهولة فينا، ثم ليقفز الرقم عام 1993 إلى عشرين بوابة، منتهياً إلى أن الذكاء الإنساني غير محدود ولا يمكن تطويقه في اختبار. إن اختبارات الذكاء ليست إلا مسابر لقياس عمق محيط لا نعرف قاعه حتى الآن، وكوكب لا نحيط به علماً، ويبدو أن المسافة أمامنا طويلة لفهم التركيب الإنساني. واليوم مع فك الشيفرة الوراثية عند الإنسان في مشروع «الجينوم البشري» يبدو أن العمل الفعلي بدأ الآن لفهم الخلطة السحرية التي تكون البيولوجيا عندنا. ويخطئ كثيراً من يظن أن «الجينات» هي رقم محدد لوظائف محدودة، وعندما نعلم أنها «شبكات عمل» نصاب بالذعر، وأن اكتشافها يعني رفع الستار عن جبل تضرب قممه في غمام المعلومات، من «جينات» تتشابك لتكوين لغة جديدة، حروفها ليست سبعة وعشرين حرفاً، بل 140 ألفاً. ويكفي أن نعلم أن ما نعرفه عن تنظيم الضغط الدموي عند الإنسان يشترك فيه أكثر من 200 جين في سلم متدرج يأخذ بعضها برقاب بعض. والسؤال: كيف يعمل الدماغ تحديداً؟ وما هي الكيمياء التي كانت تفرز وتفرغ في دماغ الطغاة من أمثال إيفان الرهيب وتيمورلنك وستالين وحالياً الأسد الصغير؟ هل يمكن تسليط تيارات كهرطيسية على الدماغ لتغيير السلوك؟ لا أحد يملك الإجابة حتى الآن. ويفسر البعض أن الوعي لا يزيد على «نتاج» عمل الشبكة العصبية وهي تتوهج مجتمعة تحت قانون التراكم «الكمي» يقود إلى انقلاب «نوعي»؛ فالوعي يولد من رحم التعقيد. وهناك من يرى أن عمل الدماغ «لغز محير» لن نصل إلى فهمه أبداً كما وصل إلى هذه النتيجة العالم الكندي »وايلدر بنفيلد»Wilder Penfield الذي أعلنه في كتابه «لغز العقل» بعد عمل خمسين عاماً على قشرة الدماغ عند ألف إنسان رسم فيه «خريطة» القشرة الدماغية بكامل وظائفها؛ ليخلص إلى نتيجة عجيبة تقول إن هناك شيئاً اسمه «العقل» لا نعقله، وهو خالد لا ينتهي بفناء وتحلل المادة الدماغية في التراب مع الموت. ومع تطور الكمبيوتر بدأت أبحاث مثيرة عن إمكانية دمج الخلايا العصبية «النورونات» Neurons مع رقائق الكمبيوتر Chips كما فعل بيتر فروم هيرتس رئيس قسم الفيزياء العصبية الخلوية في معهد «ماكس بلانك» فزرع خلايا عصبية من دماغ الحلزون على شريحة كمبيوتر. وكذلك ما فعله «أكسيل لوركه» في معهد علوم «النانوغرام» أي العلوم فائقة الدقة، في جامعة ميونيخ بألمانيا من زرع عشرات الخلايا العصبية من أدمغة «الجرذان» على الشرائح الكمبيوترية ودراسة الذكاء عند 169 تقاطعاً. ولعل أنجح هذه التجارب هو ما فعله «ويليام ديتو» رئيس قسم «أبحاث الفوضى» Chaos - research في المعهد التكنولوجي في جورجيا، حيث وصل خلايا حيوان العلق العصبية مع رقائق الكمبيوتر، ودرَس الظاهرة على الشاشة؛ فلاحظ قدرة الوصلة الجديدة في عمليات حسابية بسيطة، وهي خطوة أولية ولكنها تذكر بقفزة الإخوة «رايت» مع مطلع القرن الماضي حينما حققا أول ارتفاع عن الأرض بالطيران لمسافة أمتار معدودة، ونحن اليوم نرسل المركبات الفضائية إلى المريخ.