عقب التوصل في الأسبوع الماضي لاتفاق اللحظة الأخيرة بشأن الموازنة، عادت الحكومة الأميركية مرة أخرى للعمل. ومن الخسائر التي منيت بها الولايات المتحدة نتيجة للإغلاق الذي دام 16 يوماً، ونتجت عنه خسائر اقتصادية بقيمة 24 مليار دولار على الأقل، إلغاء رحلة أوباما إلى جنوب شرق آسيا. وقد أظهرت التغطية الإعلامية، وحتى أوباما نفسه، كيف استفادت بكين من غياب الرئيس عن آسيا. ومما زاد الطين بلة، ظهور الرئيس الصيني مبتسماً في واجهة بعض الصور التي التُقطت خلال المؤتمر الإقليمي الذي كان مقرراً أن يحضره أوباما، بينما ظهر وزير خارجيته كيري، الذي حضر بالنيابة عنه، في الصفوف الخلفية وفقاً لقواعد البروتوكول. وبينما برزت الصين منتصرةً في هذه الجولة الأخيرة، بدت واشنطن وكأنها لم تستوعب الأمر وهو أن السباق على النفوذ في آسيا لا تتم تسويته في الاجتماعات متعددة الأطراف. وبدلا من ذلك، سوف يتم تشكيل المنطقة من خلال منطق «أي القوى العظمى لديها أفضل الفرص لتحقيق النمو المستدام على المدى الطويل؟». إن النفوذ يتكلف المال. والولايات المتحدة، بوصفها الثقل الاقتصادي الأكبر، لديها الموارد اللازمة لبناء نظام من التحالفات العسكرية في آسيا وتطوير المصالح الأميركية في الديمقراطية والأسواق الحرة. لكن المنطقة أصبحت اليوم لقمة سائغة. وعلى مدار الأشهر الأربعة القادمة، من المحتمل أن تقوم الولايات المتحدة والصين واليابان -أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم- بالبدء في تغييرات اقتصادية كاملة، ستحدد نتائجها من سيقود آسيا. يمكن أن يصبح اقتصاد الصين في نفس حجم اقتصاد الولايات المتحدة تقريباً، من حيث تعادل القوة الشرائية، في مطلع 2016، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. بينما يتوقع مركز الاستخبارات القومي الأميركي أن يصبح اقتصاد الصين أكبر اقتصادات العالم من حيث المجموع قبل ذلك التاريخ. والصين التي هي بالفعل ثاني أكبر أو أكبر شريك تجاري لكل الدول الكبرى في آسيا، تستخدم نفوذها الاقتصادي لحشد الدعم بشأن بعض القضايا، مثل تايوان، بينما تكتم انتقادات دولية بشأن الانتهاكات المتواصلة لحقوق الإنسان. كما أعلنت في مارس الماضي أن موازنتها العسكرية سوف تتوسع بنسبة 10?7 في المئة عام 2013، لتواصل عقدين من النمو ذي الرقمين. وفي نفس الوقت، تعتبر الصين في خضم أطول تباطؤ اقتصادي لها منذ إدخال إصلاحات السوق أواخر السبعينيات. وبعد أن شهدت نمواً من رقمين على مدار العقود الثلاثة الماضية، من المتوقع أن يتوسع ناتجها المحلى الإجمالي بنحو 7?5 في المئة تقريباً عام 2013. وبينما تواجه الصين ارتفاعاً في تكاليف العمالة وشيخوخةً في السكان وفساداً مستشرياً وتلوثاً بيئياً، إلى جانب تداعيات التحول من دولة منخفضة الدخل إلى دولة متوسطة الدخل، يتوقع البروفيسور مايكل بيتيسن، الأستاذ بجامعة بكين، أن ينخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 3 في المئة خلال العقد القادم. وقد ساهمت الأزمة المالية لعام 2009 في زيادة احتمالات التعرض للخطر من خلال انخفاض الطلب الخارجي، ما جعل الصين تسنّ برنامجاً للتحفيز بقيمة 570 مليار دولار. وبينما عزّز هذا البرنامج الاقتصاد بصورة مؤقتة، إلا أنه ساهم في زيادة الدين المحلى الذي يقدر حالياً بنحو 3?28 تريليون دولار، أي ما نسبته 39 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وعبر المحيط، نجد اليابان وقد ابتليت بعقدين من النمو الاقتصادي السيء للغاية. ففي شهر يناير، أعلن رئيس وزراء اليابان شينزو آبي بعد شهر واحد من توليه السلطة عن حزمة للإصلاح النقدي والمالي والهيكلي، بعضها قيد التنفيذ. وفي فبراير، دشن آبي برنامجاً غير مسبوق لتخفيف القيود النقدية من قبل البنك المركزي، مما أدى بسرعة إلى مضاعفة القاعدة النقدية. ثم اتبع ذلك بتحفيز نقدي قيمته 116 مليار دولار. وكانت النتائج الأولية واعدة؛ فقد حقق الاقتصاد نمواً بنحو 3?8 بالمئة في الربع الثاني من 2013. غير أن النجاح طويل المدى يكمن في الإصلاح الهيكلي. فاقتصاد اليابان لا يزال مفرط التنظيم وغير مرن وغير جاذب للشركات الأجنبية. كما أن الإصلاحات قد لا تكون قادرة على معالجة مشكلة السكان الذين تقدم بهم العمر والديون المنهكة، والتي يتوقع أن تصل 230 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2014. أما أوباما فيواجه مهمة شاقة لتحريك الاقتصاد الأميركي، وفي ذات الوقت لكبح الديون الفيدرالية التي انفجرت من 32 في المئة عام 2001 إلى 72 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2012. كما تواجه في العقد المقبل عجزاً متوقعاً بقيمة 6?3 تريليون دولار. وسوف تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة على نحو متزايد عن الحفاظ على قوتها الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية التي حصلت عليها في آسيا منذ الحرب العالمية الثانية. وسوف تؤدي الميزانيات العسكرية الأصغر إلى تآكل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. كما تؤدي الانعزالية التي عادةً ما تصاحب الأوقات الاقتصادية الصعبة إلى زيادة تآكل النفوذ الأميركي. إيلي راتنر نائب مدير برنامج أمن آسيا والمحيط الهادئ في مركز الأمن الأميركي الجديد ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»