«أشيل مبمبة» فيلسوف كاميروني بارز، أصدر مؤخراًً كتاباً مهماً بالفرنسية بعنوان «نقد العقل الزنجي» يقدم خلاصة نظرية عميقة لأبحاثه الفكرية السياسية من منظور الدراسات ما بعد الكولونيالية التي يمثل أحد أبرز ممثليها في الساحة الأفريقية. يذهب مبمبة في كتابه الأخير إلى أن العالم الراهن سائر في اتجاه تعميم الظرفية الزنجية التي اصطنعتها الرأسمالية التجارية الغربية في عصر توسعها الحديث، عندما محت في أول مرة في تاريخ البشرية الحدود بين الإنسان والشيء المادي مخترعة «الإنسان - الآلة» و«الإنسان - العملة». لا فرق بين الرأسمالية المتعولمة والروح الوثنية التي تتغذى من القرابين البشرية، باعتبارها بحاجة دائمة إلى إنتاج أنماط سفلى من البشر معرضين للإهمال والتجاهل والضياع. وما يخلص إليه الفيلسوف الكاميروني في نظريته النقدية لمفهوم «الزنوجة» بدلالته الواسعة هو أن المرحلة الراهنة من تحول الغرب الرأسمالي أفضت إلى انبثاق أزمة عميقة في حركية الزمن العالمي بين رهانات الديمقراطية والذاكرة والتصور الكوني لمستقبل جامع بين البشر في مجموعه. والمفارقة القائمة هنا هي أن الغرب الذي منح للبشرية النسق الدلالي والمفهومي للعالمية المشتركة أي الكونية المتقاسمة أصبح اليوم عاجزاً في لحظة العولمة التي هي محطة اكتمال مشروع الحداثة المعممة عن الدفاع عن القيم التنويرية والإنسانية التي هي الخلفية المعيارية والفكرية لتلك الديناميكية. ويذهل المرء من كثرة وتعدد الكتب الرائجة حول أزمة الغرب ونهاية العصر الأوروبي، بعضها بأقلام آسيوية وأفريقية وأغلبها بأقلام غربية، من آخرها كتاب «نهاية الغرب» للكاتب الفرنسي «هرفيه كامبف» الذي يستعيد نفس العنوان الذي اختاره المفكر السياسي «فرانسوا هايزبورغ» في وصفه لخريطة العلاقات الدولية الجديدة. وعلى رغم هذه النغمة المتشائمة حول مستقبل الغرب وحول تراجعه التي تستند إلى معطيات استراتيجية وديموغرافية واقتصادية متداولة، إلا أن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أن الغرب بمفهومه الواسع (أوروبا وأميركا الشمالية) لا يزال يتحكم في عناصر القوة والتفوق على رغم الصعود الآسيوي والحديث المتزايد عن القوى الدولية الناشئة وانتهاء مؤشرات القطبية الأحادية التي ظهرت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة. لا يزال الغرب هو القطب الاقتصادي- العسكري الوحيد في العالم، كما أنه يتمتع بالوحدة الثقافية، وبالريادة في حركية الإنتاج العلمي والتقني، في الوقت الذي يفتقد العالم الآسيوي هذا التجانس ولا يوفر بديلاً في المرجعيات الفكرية والقيمية عن النموذج الحضاري والتنموي الغربي على رغم كل ما كتب عن القيم الآسيوية المتمحورة حول الهويات الجماعية والانضباط والزمنية البطيئة. ما حدث هو أن العالم كله تغرب فكرياً ومجتمعياً وأن النسق الثقافي الغربي يشكل اليوم بلغة بول ريكور «النواة الرمزية القيمية» الوحيدة لفهم العالم وتأويله، مما فرض على الثقافات الأخرى (بما فيها الثقافة الإسلامية) تعديل منظومتها المعرفية والمنهجية للتكيف مع هذه النواة التي تشكل شفرة تفكيك الكون والعالم الإنساني. كيف إذن نفسر هذا الشعور السائد حتى لدى النخب الفكرية الغربية بانسداد مشروع التحديث الغربي ونضوب معينه القيمي والدلالي، وبأن الغرب لم يعد بإمكانه الاحتفاظ بصورة النموذج الأوحد للكونية العقلانية المفتوحة، إلى حد أن بعض فلاسفة الغرب المعاصرين (أوليفيه آبل) تحدث عن انبثاق ما دعاه «المسألة الغربية» على غرار المسألة الشرقية التي طرحت على العالم في نهاية القرن التاسع عشر في سياق انهيار الإمبراطورية العثمانية؟ لسنا بحاجة للتذكير بأن النزعة النقدية الذاتية واكبت مسار التحديث الغربي وشكلت دعامة تجدده وضمان حيويته، بيد أن الأمر يتعلق في الواقع بظاهرة مغايرة في المنطق والغائية والدلالة، ذلك أن ما يعيشه العالم ليس مجرد مرحلة من مراحل تحول الحداثة الغربية، بل هو نقطة تحول جذرية توازي مرور العالم من العصر الوسيط إلى عصر الحداثة. وقد تبلورت الهوية الأوروبية في وعي النخب الفكرية في عصور التنوير واحتلت مكان العالم المسيحي أي الهوية الدينية للإمبراطورية الرومانية وامتداداتها، ويتعلق الأمر بمفهوم علماني يحمل شحنة إنسانية وقومية برز بوضوح لدى الفيلسوفين الكبيرين لايبنتز وديدرو، قبل أن يتحول إلى إطار سياسي واستراتيجي. أما مفهوم «الغرب» الذي تشكل بقوة بعد الحرب العالمية الثانية فقد تأرجح بين مقاربة دنيا هي «الشراكة الأطلسية» ومقاربة قصوى هي «العالم الرأسمالي الديمقراطي الحر». هل لا يزال مفهوم الغرب صالحاً بعد الانتقال من الرأسمالية الإنتاجية إلى الرأسمالية المعرفية القائمة على الاقتصاد غير المادي، ومن نموذج الدولة القومية السيادية إلى نموذج «الإمبراطورية» بلغة «نغري»، ومن السلطة التمثيلية القائمة على شرعية الانتخاب إلى السلطة الحيوية التي تبدع أشكالاً من الرقابة والتطويع تصل إلى حد التحكم في البنيات الجينية والغريزية للإنسان محدثة أشكالاً من العبودية الجديدة؟ ذلك هو الحوار المشتعل في أيامنا داخل الحقل الفكري الغربي حول القضايا الجوهرية في المسار الحداثي الغربي بين اتجاه يعتبر الحداثة مشروعاً مفتوحاً لم يكتمل وإن أصبح مرغماً على مراجعة جذرية لقيمه المؤسسة كالانتقال إلى المواطنة الدستورية بدل المواطنة القومية وإلى العلمانيات الروحية بعد العلمانيات التصادمية مع الدين (هابرماس وتايلور...) واتجاه آخر يعتبر أن المرحلة الراهنة تقتضي بلورة قيم ومفاهيم جديدة لا تقل راديكالية عن القطيعة التي كرسها عصر التنوير الأوروبي (نغري، أغامبن، باديو...). وفي هذا المنعرج، ينفتح الأفق النظري واسعاً أمام مفكري العوالم غير الغربية في تصور شكل العالم الجديد والقيم الضابطة له، وهو ما يندرج فيه كتاب الفيلسوف الكاميروني «أشيل مبمبة» وغيره من المفكرين الأفارقة والآسيويين، مع الإشارة إلى ضعف الإسهام الفكري العربي الذي ظل سجين دعوى الخصوصية الثقافية وحق الاختلاف الحضاري البديل في الوقت الذي لا مناص فيه من معالجة تحديات ورهانات العالم الجديد من منظور مقتضيات الكونية المتقاسمة التي هي أفق الفكر الإنساني في تنوعه وتباين روافده.