عانت دول «الربيع العربي» عقوداً من الفساد المستشري وسوء استغلال مواردها. فقد سرق أعضاء حكوماتها السابقة مليارات الدولارات من مواردها، وجرى تهريب غالبيتها خفية إلى الخارج، لاستثمارها في أسواق مال عالمية كبيرة ولشراء عقارات في أنحاء العالم. وبينما طارت مبالغ كبيرة من الأموال المنهوبة خارج تلك الدول مع سقوط أنظمتها، فإن الكم الأكبر منها كان قد شُفِط للخارج على مدى زمن أطول. وبعد انطلاق «الربيع العربي» كان لابد من اتباع نهج جديدة لاسترداد الأموال. ففي العام الماضي عقد «المنتدى العربي لاسترداد الأموال» أول اجتماع له في الدوحة، حيث اجتمعت دول «الربيع العربي» ودول مجموعة الثماني الكبرى وغيرها من الدول، لإجراء محادثات جماعية لأول مرة بشأن استرداد هذه الأموال. إن ضبط الأرصدة، كالعقارات والمبالغ النقدية والسيارات، وإثبات أن الحصول عليها كان عبر الفساد، هو أمر صعب جداً من الناحية الفنية والسياسية. وكان ذلك المنتدى العربي، ومن عدة نواحٍ، بمثابة صحوة للمجتمع الدولي. والآن، وبعد مرور عام على اجتماع الدوحة، أترأس الوفد البريطاني لحضور الاجتماع الثاني للمنتدى العربي لاسترداد الأموال المنعقد في مراكش، حيث نتدارس على مدى ثلاثة أيام التعقيدات التي نواجهها في تحديد وإعادة عائدات الفساد الدولي. فاسترداد الأموال دولياً عبر الاستعانة بطلبات التماس المساعدة من حكومة لحكومة، عملية معقدة وتنطوي على الكثير من الإجراءات القضائية، لكن لهذه الإجراءات أسباب تستدعيها. حيث إن احترام سيادة القانون يتطلب وجود قضية قانونية قوية ومستوفية الجوانب قبل مصادرة أموال أحد، لكن لابد أن يعنينا أيضاً موضوع تحقيق التوازن. وإذا كان من الضروري إدراك التحديات التي نواجهها، فمن المناسب أيضاً أن ننظر بما تم إحرازه من تقدم. المملكة المتحدة جادة بشأن إعادة الأموال لدول «الربيع العربي»، وبهذا الصدد فقد أجرت مراجعة شاملة لسياستها وتشريعاتها لمعرفة سبل تحسين جهودنا المبذولة في سياق العمليات العالمية لإعادة الأموال. وفي العام الماضي شكل رئيس وزرائنا، ديفيد كاميرون، فريق عمل معني باسترداد الأموال يضم 10 محققين مكرسين بالكامل ومدعيا عاما من القاهرة للعمل تجاه استرداد الأموال التي نهبت من دول «الربيع العربي». ويعمل المحققون البريطانيون الآن إلى جانب نظرائهم في المنطقة، لإحراز تقدم في قضايا استرداد الأموال، وبموازاة ذلك فتحنا تحقيقات محلية بشأن غسل الأموال تتعلق بأشخاص لديهم ممتلكات كبيرة في المملكة المتحدة. ومن الطبيعي أنه من الأفضل الحؤول دون نهب الأموال أصلاً من الدول. والمملكة المتحدة تدعم عدداً من البرامج الدولية التي تهدف لبناء مؤسسات قوية وشفافة في منطقة الشرق الأوسط وغيرها. وفي الكثير من الحالات يشتمل ذلك على إصلاح أنظمة الإدارة المالية، وتطوير أو دعم أجهزة التدقيق المحلية وهيئات مكافحة الفساد، لكي يسهل اكتشاف أي خلل في حسابات الدول. ومثل هذه البرامج تحقق فوائد جمة للدول المعنية. ففي أوغندا مثلا استطاع أحد هذه البرامج كشف مبالغ تدفع لأكثر من 9000 موظف حكومي لا وجود لهم، ما وفّر على خزينة الدولة ما يفوق 6 ملايين جنيه استرليني سنوياً. لكن من الواضح أن دول «الربيع العربي» ليست هي فقط المتضررة نتيجة هذا الفساد الكبير، فالفساد موجود في كل القارات. وقد وضعت المملكة المتحدة خلال رئاستنا لمجموعة الثماني في العام الحالي، مبدأ الشفافية في صميم جهودنا. فقد اتفق قادة مجموعة الثماني خلال اجتماع قمتهم في يونيو الماضي على تطبيق الشفافية على ملكية الشركات. وينطوي ذلك الاتفاق على ضرورة الطلب من كل شركة الحصول على والاحتفاظ بمعلومات حول المالك الحقيقي المنتفع من الشركة، وتوفير هذه المعلومات لأجهزة تنفيذ القانون. ففي الوقت الحالي يمكن تأسيس شركات وهمية في ولايات قضائية بمختلف أنحاء العالم، ويمكن إيداع مبالغ مالية كبيرة في هذه الشركات، بينما السلطات لا علم لها بالمنتفع الحقيقي من عوائد الشركات. ومن المعروف أن ذلك يشجع على الفساد في أنحاء العالم. ومن شأن اتخاذ خطوات كالتي أقرتها مجموعة الثماني تقليل سبل إخفاء عائدات الجريمة والفساد. ورغم كل الجهود المشتركة التي نبذلها، ندرك بأن الطريق أمامنا لا يمكن أن يكون سهلاً دائماً، فهو يتطلب تفانياً وجهوداً مضنية تبذل على مدى سنوات، وليس مجرد شهور. وسيكون طريقنا هذا مليئاً بالإحباطات. وقد يميل البعض لإلقاء اللائمة على عدم وجود إرادة سياسية. لكني أطمئنكم إلى أن ذلك ليس هو الحال، على الأقل فيما يتعلق بالمملكة المتحدة. لكن إن لم نفعل شيئاً، فإننا بكل بساطة نشجع الساسة والمسؤولين -اليوم ومستقبلاً- على الاعتقاد بأن في استطاعتهم هم أيضاً الإثراء على حساب شعوبهم. ونحن عازمون على ألا يعاني أي بلد بسبب فساد حكومته. واجتماعنا في المغرب إنما يدل على أن لكل بلد دوراً يؤديه في مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة. هذا، وتدعم المملكة المتحدة، من خلال برنامجها للشراكة العربية، عدداً من مبادرات مكافحة الفساد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ففي المغرب اشتركنا مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لتعزيز نزاهة القطاع العام. وفي تونس دعمنا تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وساعدنا في تنمية قدرات منظمة مدنية محلية، لتراقب تمويل الحملات الانتخابية. وفي ليبيا ندعم برنامجاً لتحسين الحوكمة والشفافية فيما يتعلق بالموارد الطبيعية. وفي الأردن دعمنا جهود تومسون رويترز لتحسين جودة تقارير وسائل الإعلام حول الحوكمة. وفي اليمن ندعم برنامجاً يقوده صندوق النقد الدولي، لتوفير مساعدة فنية في مجال إدارة المال العام. كما ندعم جهود منظمة الشفافية الدولية الرامية لتعزيز إمكانات فرق المجتمع المدني لمساءلة الحكومات. بقلم دومينيك غريف النائب العام البريطاني