«آرائي تستمدّ قيمتها من كونها عصارة تجربة طويلة في الحياة، تمليها حيادية كبيرة. هي تنبع من رجل لم يكن يوماً أداة سلطة، ولا محابياً لأصحاب النفوذ. والأهم أنها تنبع من رجل لا يريد أن تنسف أفعاله الأخيرة صدقية حياة كاملة. إنها نابعة من شخص كرّس الجزء الأكبر من حياته في معركة الدفاع عن حرية الآخرين». بهذه الجملة، ختم أدموند بيرك (دبلن 1729 - 1797) كتابه الذي حمل عنوان «تأملات حول الثورة في فرنسا» (1790). قد يخيّلَ للقارئ أنّ السياسي الإيرلندي البريطاني الذي خدم لسنوات في مجلس عموم المملكة المتحدة كعضو عن حزب «الويغ»، لطالما كان «رجعياً» كما وصفه معارضوه يوم صدور كتابه. إلا أن أدموند بيرك هو نفسه الذي دافع عن عشرات القضايا التحررية الأخرى وهاجم النخاسة، ودافع عن الثورة الأميركية، وأيّد التماس المنشقين على الكنيسة الرسمية بالحصول على كامل حقوقهم المدنية، ودافع عن حرية المطبوعات، وناصر البرلمان على الملك، ودافع عن مستعمرات أميركا الشمالية خلال نزاعها مع الملك جورج الثالث؟ الأمر شبيه إلى حد كبير بالأوضاع التي عاشتها المنطقة العربية، منذ ديسمبر 2010. ومن يعود بذاكرته إلى الأسابيع الأولى التي تلت سقوط بن علي في تونس، ثم مبارك في مصر، يمكنه أن يتذكر جيداً قوائم الكتاب والصحفيين الذين كانوا قد أبدوا مخاوفهم وشكوكهم حول حقيقة ما شهدته دول «الربيع العربي»، كانت قوائم أسماء الخونة أو أعداء الثورة رائجة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لشهور عديدة، وكان الحال يومها أشبه بمكارثية نالت بسياطها كل أولئك الذين آثروا أن ينظروا إلى المشهد من علٍ. قوبلت أفكار أدموند بيرك من قبل بعض أصدقائه بالامتعاض والنقد كتوماس جيفرسون الذي أصبح الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأميركية. ولكن توماس نفسه أيضاً كان متمسكاً بحقه في امتلاك الرقيق ومدافعاً عن النخاسة على عكس صاحبه. وترى الكاتبة المصرية منار الشوربجي أن الموقف السلبي من مفهوم الثورة، يضرب بجذوره في عمق التاريخ الأميركي، فأثناء مداولات كتابة الدستور مثلاً، كان من أهم ما خشيه القائمون على كتابته، ما أطلقوا عليه «حكم الرعاع». وهذا هو نفسه ما تم تفاديه في الثورة الإنجليزية المجيدة، وهو الذي أكد عليه مراراً أدموند بيرك في تأملاته حول الثورة الفرنسية «وقد صمم القائمون على كتابة الدستور الأميركي، نظاماً سياسياً يعطي للشعب الحق في الاختيار، ولكنه يضع ذلك الاختيار دوماً تحت سيطرة النخبة». ورأى بيرك أن المثال الذي كان يجب أن تحتذيه الثورة الفرنسية هو الثورة المجيدة الإنجليزية، التي حافظت على ملك يراقبه البرلمان، وسلمت من المجازر والمحاكمات الدموية والمشانق التي أقامها ثوار متواضعو القدرات والأصول والمعرفة. كانوا غوغاء انقادوا بأحقادهم وضغائنهم ليدمروا كل ما بني من إصلاحات كانت حكومة لويس السادس عشر قد اتخذتها قبل ذلك بسنوات. كتاب بيرك «تأملات حول الثورة في فرنسا» أحدث ضجة كبيرة لدى صدوره في إنجلترا. وبقي هذا الكتاب الفريد من نوعه الذي ربما نراه قريباً في مكتبتنا العربية، ملهماً ومثيراً. والغريب في الأمر أن أفكار بيرك كانت تنبعث كل مرة من تحت الركام، كما حصل في أعقاب الثورة الشيوعية الروسية، حيث غدت أفكاره وبلاغته وبيانه الأخاذ وقوة حججه أساساً لكثير من الكتابات المناهضة للثورة الشيوعية وبناتها في كل أنحاء العالم.