حققت الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني إلى نيويورك، قبل نحو شهر من الآن، نجاحات تمثلت ببدء المفاوضات بين إيران والغرب حول البرنامج النووي للأولى. فقد عبّر وزير الخارجية الأميركي عن تفاؤله حيال التفاوض مع طهران، وقال إن نافذة الدبلوماسية التي فتحت مع طهران تزداد انفتاحاً، لكنه أكّد في الوقت نفسه بأن أعين المسؤولين الأميركيين مفتوحة أيضاً. وزير الخارجية الإيراني عبّر هو أيضاً عن رغبته في الوصول إلى خريطة طريق كجدول أعمال يمكّن الطرفين من تسوية الملف النووي الذي ظل على منضدة التفاوض طيلة عشر سنوات، وأكّد أن الطريق صعب وطويل، لكن ثمة أملاً في التوصل إلى اتفاق على خريطة طريق لإيجاد تسوية. الدكتور علي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى الإيراني، أعلن أن بلاده تمتلك قدراً من اليورانيوم المخصب يفوق ما تحتاجه في أبحاثها، وأنها على استعداد لمناقشة «الفائض» مع القوى الغربية خلال المحادثات النووية، وأنها مستعدة لإجراء مفاوضات حول ما يمكن فعله باليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المئة، والذي لا تحتاجه. كل هذا التحرك الإيراني النشط يأتي لأن روحاني وعد الشعب الإيراني قبل أن ينتخبه بالعمل على تحسين أوضاعه الاقتصادية وعلاقة إيران بالعالم. لكن، هل القيادة الإيرانية متفقة على نهج واحد في تعاملها مع الغرب؟ هنالك أكثر من رسالة تخرج من طهران، فالمحافظون المتطرفون يعارضون أي تقارب مع الغرب ويرفضون التصريحات التي يطلقها لاريجاني والخاصة بفائض اليورانيوم. ثم ماذا عن دول الخليج... هل تتضرر من التقارب الأميركي الإيراني؟ وهل هذا التقارب يضر بمصالحها وعلاقاتها مع الولايات المتحدة؟ لقد أعلنت دول الخليج العربية في أكثر من مناسبة أنها تفضل أسلوب التفاوض والحوار بدلاً من اللجوء إلى القوة والحصار لحل المشاكل العالقة بين واشنطن وطهران. لكن هذه الدول لم تحدد طبيعة خلافها مع طهران، هل هو خلاف قومي عربي ضد القومية الفارسية؟ لا أتصور ذلك، لأن دول الخليج حافظت على علاقات طيبة مع إيران إبان الخلاف القومي العربي مع إيران الشاه. هل هو خلاف مذهبي ديني؟ لا أعتقد ذلك أيضاً، لأنه توجد في الخليج شريحة كبيرة من المواطنين الشيعة، ومعظمهم من أصول عربية وبعضهم الآخر مهاجر من بر فارس... كذلك فالشيعة في الخليج مواطنون ينتمون لبلدانهم ويفخرون بها. المشكلة برأينا هي التعصب الديني أو التطرف لدى الطرفين. فالثورة الإيرانية ألهبت حماس بعض الشيعة في الخليج للمطالبة بحقوق أكثر. لكن لا ينكر أحد أن تطرف جماعات الإسلام السياسي في الخليج، السلفيون و«الإخوان المسلمون» وغيرهم، قد خلق أزمة بين الطوائف في البلد الواحد. المتطرفون السنة المنتمون للإسلام السياسي أثاروا القضية الطائفية وقضية الولاء لإيران لتحقيق مكاسب انتخابية رخيصة في كل من البحرين والكويت. كما لا ينكر أحد أنه يوجد في إيران متطرفون قوميون لديهم نزعة قومية قوية ضد العرب، فهم يحاولون بسط نفوذهم في كل من العراق وسوريا ولبنان ودول الخليج العربية، منطلقهم قومي وليس دينياً مذهبياً، لذلك علينا التعامل مع إيران من منطلق المصالح المشتركة بعيداً عن الدين أو المذهب. فليس من مصلحة عرب الخليج معاداة إيران وليس من مصلحة إيران التدخل في شؤونهم الداخلية... لنتعاون معاً من أجل ازدهار واستقرار المنطقة.