قد يكون الغزل السياسي الدائر حالياً بين الإدارة الأميركية وإيران مؤشراً إيجابياً من المنظور الأميركي، لكن من المنظور الإيراني ولدى الدوائر العليا متخذة القرار الحقيقي على صعيد السياسة الخارجية هو شيء مختلف تماماً، فالمرشد الأعلى وقادة الحرس الثوري و«الباسيج» ينظرون إلى ما قام به الرئيس الجديد من اتصالات وتحركات على أنه شيء ما كان يجب أن يتم. فلماذا يحدث ذلك؟ وما هي الأهداف الاستراتيجية التي يريد الطرفان تحقيقها لدى بعضهما البعض؟ عندما وصلت إدارة أوباما إلى السلطة عام 2009 وعدت بانتهاج سياسة متعددة الجوانب ومثمرة تجاه إيران، وهذا يعني أن أوباما يعتقد بأن حواراً دبلوماسياً جدياً قد ينجح في كسر الحاجز مع إيران، الأمر الذي لم تحققه جميع وسائل التشدد تجاهها بما في ذلك فرض العقوبات الاقتصادية والتهديد باستخدام القوة العسكرية. لكن الواقع هو أن استخدام الدبلوماسية مع إيران ليس بالأمر الجديد، فقد تمت تجربتها مرات عدة من أطراف المجتمع الدولي كأوروبا ودولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة ذاتها حول مواضيع كثيرة منها جزر الإمارات الثلاث التي تحتلها إيران أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، وسائر الحدود مع جيران إيران جميعهم تقريباً. وبالنسبة للمساعي الدبلوماسية لحل إشكالية التسلح النووي التي انفضح أمرها في عام 2003 على يد المعارضة الإيرانية، قد دشنت لأول مرة على يد ثلاث دول من الاتحاد الأوروبي هي ألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا واستمرت على مدى زمني امتد من عام 2003 إلى عام 2002، والمحاولة الثانية دشنت في يونيو 2008 عبر مشاورات مع إيران من قبل مجموعة ما يعرف بـ 5+1 التي تضم الولايات المتحدة وروسيا والصين وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، وقدمت مقترحات وصل عددها إلى 12 مقترحاً تقريباً فشلت جميعها في كسر الحاجز مع إيران حول برنامجها النووي. لكن يبدو بأن الإدارة الأميركية لم تكل أو تمل أو تيأس، وهي مستمرة في محاولاتها الدبلوماسية من خلال إشارات وإيماءات ورسائل ومكالمات هاتفية ولسان حالها يقول: لعل وعسى! لكن يبدو بأن القادة الكبار في إيران وعلى رأسهم المرشد الأعلى للثورة غير راغبين في التراجع حول البرنامج النووي وأهدافه الحقيقية، ويرفضون علانية جميع مقترحات ومشاريع المجتمع الدولي، رغم أن أطرافه المتنفذة لا تزال تأمل في التوصل إلى حل ما معها. ويبدو من سير الأحداث مؤخراً منذ انتخاب الرئيس الإيراني الجديد بأن المسألة بالنسبة لإيران مختلفة تماماً، فهي ترى بأن الجهود الدبلوماسية التي تبذل ناجحة إلى حد كبير، فهي تمنحها كسب الوقت وتتيح لها القيام بالمناورة تلو الأخرى لكسب المزيد منه على حساب رغبة المجتمع الدولي في عدم المواجهة معها، وتقوم بإنتاج المزيد من أجهزة الطرد المركزي التي تستخدم في تخصيب اليورانيوم بنسب عالية والمضي في مغامرتها النووية إلى أقصى حد ممكن، أي إلى الوقت الذي تتمكن فيه من إنتاج السلاح النووي. ويبدو بأن لحظة الصفر هذه ليست بعيدة جداً، وربما تكون على مرمى البصر، أي على مدى سنة أو سنتين كأقصى سقف زمني لو سارت الأمور على ما هي عليه ولم تحدث مفاجآت غير متوقعة. وفي الوقت نفسه هي ماضية في تكييف اقتصادها لكي يصبح أكثر قدرة على التعامل مع التداعيات السلبية الناجمة عن العقوبات الدولية.