الدين ظاهرة أخلاقية وهو تعبير عن الوازع الأخلاقي وصحوة الضمير. وهو موضوع علم الأخلاق الديني. فالسلوك الفاضل، وممارسة التقوى، والتمسك بالإيمان والعمل الصالح هو طريق النجاة، واتقاء العقاب ونيل الثواب. والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. لذلك تكثر ألفاظ القلب واللب والفؤاد (فإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التِي فِي الصُّدُورِ). جوهر الدين هو العقائد والشعائر والأخلاق (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) و«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فالدين هو الفضيلة، الدين هو الواجب. وقد عرف الصوفية التصوف بأنه «التخلي عن الأوصاف الدنية، والتحلي بالصفات السنية». التصوف هو الخلق. ومن زاد في الخلق زاد في الصفاء. ودون الأخلاق يتحول الدين عند البعض إلى مجرد مظاهر خارجية، وشعائر مظهرية. ولذلك فرّق الصوفية بين «أعمال الجوارح» و«أعمال القلوب»، وأوّلوا العبادات على أنها أسرار باطنية. وجعل الفقهاء الأعمال بالنيات طبقاً للحديث الشهير «إنما الأعمال بالنيات». وما أكثر آيات ذم النفاق في القرآن الكريم. فالحياة الخلقية هي اتفاق الداخل مع الخارج، الفكر والوجدان مع القول والعمل. لذلك طلب إبراهيم عليه السلام الدليل والبرهان على صدق الإيمان جمعاً بين الفكر والوجدان. ونقد القرآن الفصل بين القول والعمل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا لِمَ تَقُولونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولوا مَا لا تَفْعَلون). كما نقد الحديث فصل الداخل عن الخارج «الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل». والجهر بالحق هو إعلان الداخل على الخارج (وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقتلونَ رَجلاً أَنْ يَقولَ رَبِّيَ الله). و«الساكت عن الحق شيطان أخرس». والدين ظاهرة تشريعية تعبر عن الحاجة إلى تشريع ينظم حياة الناس. وهو موضوع علم القانون الديني والشريعة. فالقانون المدني يتغير بتغير نظم الحكم ومصالح الطبقات وفهم طبيعة القانون وتطور التاريخ من النظام الأمومي إلى النظام الأبوي. ويختلف باختلاف المجتمعات خاصة بالنسبة لقانون الأحوال الشخصية، الزواج والطلاق والميراث، والقوانين التجارية الخاصة بالبنوك مثل الربا والفائدة. قد يظلم القانون الوضعي وقد يحابي. في حين أن القانون الإلهي يعبر عن إرادة مطلقة وشاملة. ويجسد الحق نفسه دون محاباة أو مجاملة لفريق أو جماعة أو مصلحة خاصة. وهو ثابت على مدى الدهر. ينظم العلاقة بين الرجل والمرأة في قانون الأحوال الشخصية والميراث. فالدين عقيدة وشريعة، تصور ونظام. ولذلك كان أهم جزء في الأصول الأمر والنهي، وفي الاجتهاد استنباط الأحكام الشرعية. فالدين أوامر ونواهٍ، والأحكام الشرعية فرض أو واجب، ومحرم أو محظور، ومندوب ومكروه ومباح. وكلها أنماط للسلوك. هناك الكبائر والصغائر، الجرائم والجنح، الثواب والعقاب. وأحياناً ما تكون في الدين أبعاد بلاغية وفنية سواء في صياغة النص أو في الممارسات الشعبية. وهو موضوع علم الفن الديني. فالنص الديني مليء بالصور البلاغية والفنية. والتصوير الفني نوع من قياس الغائب على الشاهد على مستوى القياس التشبيهي مثل القياس التمثيلي في الاجتهاد والقياس الشرعي وطرق الاستدلال على الأحكام. وقد أبدع الصوفية في أشعارهم مثل ابن الفارض وابن عربي والبوصيري في التعبير عن التجربة الدينية بحيث يصعب التفرقة بين التجربة الدينية والتجربة الشعرية، لا فرق بين الشعر العربي والشعر الفارسي. و«المثنوي» لجلال الدين الرومي شاهد على ذلك. وفي المساجد والكنائس والمعابد يظهر الفن المعماري والزخرفي وجميع أنواع الفنون التشكيلية من رسم وتصوير ونحت وحديد مشغول وزجاج النوافذ الملون للتعبير عن التجارب الدينية. والعمارة الإسلامية شاهد على ذلك: قصر الحمراء، مئذنة جامع إشبيلية، تاج محل، مساجد القاهرة ومآذنها الألف. كما يظهر الفن أيضاً في لباس رجال الدين وألوانه المزركشة. وتضاف إلى ذلك مهرجانات الطرق الصوفية والأعلام والبيارق والرقص والضرب بالدفوف، والاحتفال بالموالد الشعبية مثل عروسة المولد. ولذلك أصبح موضوع «الدين والفن» ضمن المقررات الدراسية في أقسام تاريخ الأديان وتاريخ الفنون. قد يبقى الفن ويذهب الدين. فما بقي من ليوناردو دافنشي هو فنه وليس تدينه، لوحاته وتماثيله ورسوماته وليس عباداته وشعائره. وما بقي من «باخ» هو موسيقاه وليس كنسياته وقداسياته ومراثيه. وما بقي من الأيقونات هو فنها وليس ما ترمز له. وقد بقيت الحمراء، وبقي تاج محل، واندثر حكم العرب في الأندلس والمغول في الهند. الدين تعبير ميتافيزيقي عن حاجة نظرية إلى رؤية «فلسفية» تفسر وضع الإنسان في العالم، لماذا أتى وإلى أين ينتهي؟ ما منشؤه وما مصيره؟ وهو موضوع فلسفة الدين. فالعالم مخلوق، كان بعد أن لم يكن بفعل الأمر (كُنْ فَيَكُون). الوجود له أصل. ولا يقوم على عدم مثل الفلسفات العدمية المعاصرة خاصة عند نيتشه وسارتر وهيدجر. الإنسان في هذا العالم يحمل رسالة وأمانة، اتباع الوحي كنظام مثالي للعالم، وتحقيق رسالة في العالم كما هو الحال عند هيجل في تصوره للدولة كالروح في التاريخ في «أصول فلسفة الحق». يعطي الدين إجابة على مصير الإنسان وماذا يحدث بعد الموت؟ هل الموت له الكلمة النهائية؟ بل إن هناك حياة بعد الموت يسودها العدل تعويضاً عن الظلم في الدنيا، وتقوم على أساس الاستحقاق، الجزاء طبقاً للأعمال (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه). ومن ثم يحدث وئام نظري بين الإنسان والعالم. ويعيش الإنسان في عالم مفهوم وعلى أساس معقول وعلى مبدأ العدل. فالعدل أساس الملك، وعلى الحق (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ). ويرد القرآن على كثير من هذه التساؤلات مثل (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) لإثبات التوحيد. ويسأل (أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ). ويرد على منكر الحشر (قالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ). ومن ينكر هذه الإجابات يعض على يديه من الندم ويتمنى أن يكون تراباً يوم الحساب. وأخيراً، بعض أبعاد الظاهرة الدينية قد توجد أو تختفي طبقاً للأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للناس. الدين طاقة إنسانية للتحقق، إمكانية تتحول إلى وجوب، قوة تسير نحو الفعل، افتراضات في حاجة إلى تصديق. فإذا ما أصبح الإنسان عالماً فهم قوانين الطبيعة، وإذا ما أصبح قادراً على التأثير فيها سيطر عليها وسخرها لصالحه. لا يقوم اعتبار الدين ظاهرة ذات أبعاد إنسانية على أي «رد» أو «اقتضاب» كما هو الحال في العلوم الوضعية. بل هو بحث علمي في أبعاد الظاهرة الدينية. فقد آن الأوان لتحويل الخطاب الديني إلى خطاب علمي. له موضوعه ومنهجه، بعيداً عن الخطابيات والإنشائيات، وما تعود عليه الناس وما تعارف عليه بعض الدعاة، من عدم تدبر. والثقافة العربية الإسلامية تعيش لدى البعض في ثنائيات مانوية أفلاطونية بعيدة عن روح الإسلام العملية التي تبحث في علل الأشياء كالعلماء. ولذلك كان مبحث العلة جوهر علم الأصول.