لدى الأمم المتحدة خطة مفصلة للتخفيف من حدة الفقر في العالم في غضون الألفية الثالثة والعمل على تقليل عدد الفقراء سواء عن طريق توفير المساعدات العينية المباشرة أو إقامة المشاريع التنموية التي تساهم بشكل غير مباشر في انتشال الفقراء من القاع لا نقول إلى القمة، بل إلى مستوى توفير الحياة الكريمة. وحديثنا هنا لا ينصب على حالات الكوارث لأن الطوارئ توفر للمتضررين ما يفي بحاجاتهم حتى تنتهي الضائقة، فإذا استثنينا هذه الأوضاع التي لا نملك حيالها خطة لمنع وقوعها لأنها خارجة عن إرادة المخططين، فالفيضانات والزلازل والبراكين لصيقة بالطبيعة التي لسنا مطالبين بتغييرها بل بحسن التعامل معها إذا ما وقعت. والفقر يتحول من حالة فردية يمكن التعامل معها في ذات الوقت إلى مشكلة اجتماعية واقتصادية تعاني منها المجتمعات البشرية ولو بنسب متفاوتة، فكما أن أميركا تعاني من وجود قرابة 30 مليون فقير، فإن أفريقيا كذلك تعاني من ذات المشكلة وإن بأعداد مضاعفة. ولذا، فإن الفقير الذي يجد أمامه مظلات ائتمانية توفر له سبل الحياة ولو في أدنى درجاتها يختلف فقره عن الآخر في أي مكان لا تتوافر فيه تلك المظلات الضرورية المساهمة في حل المشكلة وليس في التخلص منها، ولا يمكن ذلك إلا بتحويل الفقراء إلى أغنياء وهذا خلاف المنطق ولا يتوافق مع سنة الحياة. ففي ميراثنا الديني أنه ينبغي أن تكون للفقير مهنة يعتاش منها دائماً خير له من أن يعتمد على موارد الزكاة التي لها مصارفها المحددة، والتي تساهم بلا شك في إنقاذ البعض من مشكلة آنية، إلا أن العمل سواء كان حراً أو مقيداً بالمؤسسات هو الذي يحمل العبء الأكبر من غلواء الفقر وآثاره السلبية على المجتمعات التي تعاني من تزايد نسبة الفقر فيها. ليست هناك حلول جذرية لاستئصال الفقر من المجتمعات، وإنما هناك طرق راقية تبعد الفقير عن ذل السؤال، فعدم إراقة ماء الوجه ينبغي أن يكون جزءاً من مشاريع التنمية المستدامة، حتى لا يتحول الفقر إلى أمر شخصي، بدل أن يتم التعامل مع آثاره كمشكلة إنسانية بحاجة إلى تضافر الجهود وتبادل الخبرات للوصول إلى أنسب الوسائل التي تحافظ على كرامة الإنسان حتى وهو في أشد الحاجة إلى من يأخذ بيده للخروج من معاناته. ولحسن علاج مشكلة الفقر في المجتمعات، من المهم معرفة السبب المباشر لوجوده، لأن الفقر والغنى ثنائية في أي نسيج اجتماعي كغيرها من الثنائيات الطبيعية، فالإشكالية في طغيان واحد منهما على الآخر فيقع الخلل. وإن السبب قد يكمن في الاقتصاد ومعدلات نموه المتدنية التي قد تؤدي إلى الفقر، فهذا لا يمكن علاجه بالمعونات الإنسانية، لأن الخلل قد يكون هيكلياً وهو بحاجة إلى برامج خاصة لا علاقة لها بحالات الفقر الفردية، لأن الاقتصاد هو رافعة المجتمعات إلى مصاف الدول الغنية، وهو الذي يساعد على انتقال الإنسان من طبقة إلى أعلى، وقد يكون نظاماً اقتصادياً معيناً هو السبب المباشر لإفقار الناس والمجتمع في آن، وهو ما لا يمكن حله عن طريق المعونات أو حتى القروض طويلة الأجل ولو بفوائد متدنية للغاية. فالعلاج السليم لمشكلة الفقر يأتي عن طريق حزمة من المشاريع التنموية النوعية التي تراعي ظرف كل مجتمع على حدة وليس كل مشروع ناجح في الغرب بالضرورة نافعاً في الأماكن الأخرى، فالتجارب في هذا الإطار بحاجة إلى فلترة حتى تتأقلم مع الظروف المتغيرة للمجتمعات وتأتي بمردودها الإيجابي وتتجنب أي انتكاسة إلى فقر أشد.