يراقب القادة السياسيون والمعلّقون الأجانب بدهشة جماعةً صغيرة من المتشددين الجمهوريين الذين يبدو عليهم التصميم لقيادة بلادهم والاقتصاد العالمي إلى حافة الهاوية. وبينما لا تزال الحكومة الأميركية مغلقة، والبلاد تنزلق نحو التخلف عن سداد الديون، يبدو على المشرعين الذين عجلوا بحدوث هذه الأزمة أنهم غافلون عن الأضرار التي سوف تلحقها باقتصاد أميركا ومكانتها في العالم. يفهم المحافظون التقليديون الأمر. وقد حذرت غرفة التجارة الأميركية والرابطة الوطنية للمصنعين من أن الفشل في رفع سقف الدين سوف يعرقل اقتصادنا ويكون له تأثير من الموجات السلبية في جميع أنحاء العالم. لكن حتى وإن كان «حزب الشاي» ينظر في الأمر (وهناك خافتة على أنه يفعل ذلك)، وتم تجنب التعثر، فإن مكانة الولايات المتحدة قد تلقت ضربة بالفعل. «أمتنا الاستثنائية» - وهي عبارة يستخدمها الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء- كانت ذات يوم ينظر إليها من قبل الديمقراطيات الوليدة على أنها نموذج. لم يعد الأمر كذلك. أحد الأمثلة الحزينة: أثناء زيارة فيلاديلفيا هذا الأسبوع، كانت ناشطة مدنية مصرية شجاعة ومعروفة تناقش كفاح دولتها لكتابة دستور جديد، وقالت إن واضعي الدستور يميلون نحو وضع نظام يعطي المشرع سلطة تشريعية أكبر من تلك الممنوحة للرئيس. «لكن بعد الذي يحدث الآن في الولايات المتحدة»، حسبما تقول «داليا زيادة»، فإن «كاتبي الدستور سوف يعيدون النظر في هذا الأمر». إلي أي حد وصلنا بعد أيام التسعينيات المثيرة، عندما كان النشطاء المدنيون المتحمسون من دول العالم الثالث والدول الشيوعية السابقة يتطلعون إلى خبراء الولايات المتحدة ليبينوا لهم كيفية عمل النظام متعدد الأحزاب. الواقع أن حلفاء أميركا منذ زمن طويل شعروا بالحيرة حيال نظام تستطيع من خلاله أقلية صغيرة من المشرعين فرض رأيها على الكونجرس. وهم أيضاً لا يفهمون لماذا يتعين على الكونجرس التصويت بشكل منفصل لإعطاء الإذن لاقتراض الأموال لسداد نفقات وافقوا عليها بالفعل. ربما لأنه لا توجد ديمقراطية أخرى حديثة باستثناء الدنمارك لديها هذا النظام. «بالنسبة لدولة تتخيل نفسها أعظم ديمقراطية على وجه الأرض، فإن تمكين جماعة صغيرة ممن لديهم قيم متطرفة في حزب واحد، من إغلاق الحكومة الفيدرالية بسبب عراك سياسي تافه، يبدو غير ديمقراطي بالمرة»، كما قال «لي آن جودمان» من وكالة الأنباء الكندية، لمدونة «توكينج بوينتس ميمو». أما كاتبة العمود في صحيفة «لوموند»، «الين فراشون»، فذكرت لصحيفة «نيويورك تايمز» أن «واشنطن تبدو أشبه بالنظام السياسي الإيطالي، في ظل أزماتها الدائمة». وكتب ديفيد أوسبورن في صحيفة «انديبيندينت» البريطانية أن «أميركا في الواقع حالة استثنائية، على الأقل من حيث مكانتها المالية العالمية»، لكنها «في كل النواحي الأخرى تقريباً تبدو الآن سخيفة للغاية». وأضاف: «حتى وإن تم التوصل إلى اتفاق حول الموازنة وسقف الدين خلال الأسبوعين القادمين، فهذا وقت انتظار طويل بالنسبة لبقية العالم»، إذ قد تبدأ الأسواق في الشعور بالفزع قبل هذا الوقت. ويقودنا ذلك إلى النقطة الأهم؛ فكقوة عظمى، تعتبر عملة الولايات المتحدة وسندات خزانتها بمثابة حجر الأساس للنظام المالي العالمي، لذا ينبغي عليها التصرف بواقعية، وإلا فإن النظام الاقتصادي العالمي سوف يهتز. وعلى حد تعبير أوسبورن، فإنه «إذا ما كانت دولة تطمح لأن تصبح الدولة الأكبر في العالم فعليها التصرف على ذلك النحو». لكن بدلاً من ذلك، فإن الاختلال الوظيفي في الولايات المتحدة يقلق دول العالم كله. وأوباما - الذي أوضح مراراً رغبته في «تركيز» اهتمام الولايات المتحدة على آسيا- اضطر لإلغاء رحلته الهامة إلى هذه المنطقة خلال الأسبوع الماضي بسبب إغلاق الحكومة، ما جعل الأضواء تتسلط على الرئيس الصيني شي جين بينج الذي اجتاز المنطقة، مقدماً عروض التجارة والمساعدات. وكأكبر مقرض للولايات المتحدة، فقد حذّرت الصين الكونجرسَ بصرامة من أجل حل قضية سقف الدين بدون إبطاء. وقد زاد إلغاء رحلة أوباما من مخاوف الحلفاء الآسيويين حول ما إذا كان بإمكانهم الاعتماد على واشنطن كقوة مقابلة للصين الحازمة. وبالطبع، تتضاءل مخاوف الحلفاء حول الاختلال الوظيفي في سياسات أميركا أمام مخاوف من حدوث كارثة اقتصادية عالمية إذا تعثرت الولايات المتحدة حتى في سداد جزء من ديونها. وحتى الآن، فلا أحد يعتقد بأن الكونجرس سوف يذهب إلى هذا الحد. قد يكونون محقين في ذلك؛ فإذا استطاع رئيس مجلس النواب، الجمهوري جون بوينر أخيراً فك الارتباط بين التصويت على سقف الدين والقضية الدخيلة الأخرى المتعلقة بإلغاء برنامج الرئيس للرعاية الصحية، فسوف يتمكن من دخول مجلس النواب بأصوات الديمقراطيين وكثير من الجمهوريين. غير أن الكونجرس في الواقع قد يكون مختلاً وظيفياً أكثر مما يتصور العالم الخارجي. وربما يلجأ إلى تملق أقلية صغيرة، قد تكون - كما يعتقد النائب الجمهوري بول براون (عن ولاية جورجيا)، «أكبر تهديد لبرنامج أوباما للرعاية الصحية في الوقت الحالي»، والذي سوف يؤدي إلى «تدمير أميركا»! وبالنسبة لهذه الأقلية الأيديولوجية، فإن التعثر لا يمثل مشكلة. فإذا ما فازت رؤيتهم، فسوف يتلقى العالم درساً في القريب حول الكيفية التي أصبحت بها بلادنا «استثنائية». ترودي روبين محللة سياسية أميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»