لم يعقد أوباما اجتماعاً كان متوقعاً مع بوتين ليتناولا الشأن السوري وقضايا أخرى على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (آيبك) التي عقدت في بالي بإندونيسيا الأسبوع الماضي. فقد قرر أوباما إلغاء رحلته التي كانت مقررة إلى آسيا للتعامل مع الأزمة السياسية في واشنطن، على خلفية الخلاف مع مناوئيه الجمهوريين حول الميزانية، لاسيما في شقها المتعلق بتمويل برنامجها للرعاية الصحية «أوباما كير». ويقول الروس إنه من سوء الطالع أن تضيع أي فرصة لانعقاد لقاء بين الرئيسين، مع الأخذ في الاعتبار تدهور العلاقات الروسية الأميركية في الآونة الأخيرة. وقال ديميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين للصحفيين مؤخراً: «نأسف أن الاجتماع لن يعقد لأن هناك بصفة عامة ضرورة لازمة لاستمرار الحوار رفيع المستوى، وهناك عدد كبير من القضايا على قائمة الأولويات الثنائية، وأيضاً -وقبل كل شيء- القضايا الدولية وعلى رأسها ملف الأزمة السورية». لكن بعض الخبراء يقولون أن لا شيء يمكن مقارنته بالضرر المحتمل الذي يلحق بالتصور الروسي حول الولايات المتحدة ومصداقيتها كشريك دبلوماسي، بسبب الشلل الكبير القائم في أنشطة الحكومة في واشنطن، جرّاء تعطيل الميزانية أو ما يسمى «إغلاق الحكومة». وقال فكتور كرمينيوك، نائب مدير «معهد الدراسات الأميركية الكندية» الرسمي في موسكو، وأحد أكثر الخبراء الروس احتراماً في الشأن الأميركي: «أحاول دوماً أن أشرح لكثير من زملائي الباحثين الروس أنه كما نؤكد على أن الولايات المتحدة تحتاج إلى روسيا قوية، فنحن نحتاج أيضاً إلى أميركا قوية على المسرح العالمي، إذ نستفيد منها أكثر مما يعتقده الكثيرون». وأضاف كرمينيوك: «قوة أميركا من شأنها تَثبت استقرار النظام العالمي كما نعرفه. ورغم أنه من الشائع هذه الأيام أن يجادل البعض بأن الولايات المتحدة لديها الكثير جداً من القوة التي لا تستخدمها بحكمة، فأننا رغم ذلك نظل بحاجة إليها. وإذا حدثت أمور تقيد قوة الولايات المتحدة وتعرض مصداقيتها للشك، فهذا بالتأكيد من شأنه أن يقوض الاستقرار العالمي ويجعل مصير العالم غير قابل للتنبؤ... وبالطبع ستحل الولايات المتحدة هذه الأزمة وستكون دولة أفضل بعدها، لكن في الوقت نفسه سوف تستهلك وقت وطاقة أوباما وتبدد قدرته عن الوفاء بقائمة أولوياته خلال فترة ولايته الثانية. وهذا من شأنه أيضاً أن يضر بروسيا بطريقة تتجاوز بكثير فرصة الاجتماع الضائعة في بالي». وحتى الآن، هناك القليل من الشماتة أو حتى السخرية في وسائل الإعلام الروسية بشأن إغلاق الحكومة الأميركية، رغم أن شبكة التلفزيون «آر. تي» الناطقة بالإنجليزية التي يمولها الكرملين، والتي تستهدف الجمهور الأجنبي، تجد في القصة الكثير من السخرية على ما يبدو. وربما يكون أحد الأسباب التي تمنع روسيا من إطلاق العنان للشماتة في أميركا على ما حلّ بحكومتها من إغلاق، أن روسيا -وبمصادفة غربية- تشهد هذا الأسبوع الذكرى العشرين للتعطل الدموي لحكومتها عندما نشب مأزق سياسي بين رئيسها في حينه بوريس يلتسين والبرلمان المنتخب ديمقراطياً، المأزق الذي تحول إلى ما يشبه حرب أهلية مصغرة في شوارع وسط موسكو. وقال مخائيل كراسنوف، أستاذ القانون الدستوري في مدرسة موسكو العليا للاقتصاد، «إن مثل هذه الصراعات في الولايات المتحدة تميل لأن تُحل سلمياً، وهذا يقدم لنا درساً مهماً حول ما يمكن أن ينجم عن فصل السلطات». وأضاف كراسنوف: «لا يسعني إلا أن آمل أن تحدث مثل هذه الصراعات هنا في روسيا. فتجربتنا فيما يتعلق بالحكومة المنقسمة انتهت بتلك الأحداث البشعة في أكتوبر عام 1993 التي نتذكرها الآن». وطلبت روسيا إجراء الاجتماع الخاص في قمة «آيبك» في بالي، لمواصلة الجهود الدبلوماسية من أجل التوصل إلى قرار بشأن القتال الدائر في سوريا ومحاولة تحسين العلاقات الشخصية المتوترة بين أوباما وبوتين. وقال بسكوف، المتحدث باسم الكرملين، الشهر الماضي، إن «العلاقات بين فلاديمير بوتين وباراك أوباما يجب أن تكون من ذاك النوع الذي بين زعيمي دولتين يشاركان في مسؤولية الأمن والاستقرار العالميين. والعلاقات بنّاءة للغاية رغم ما شابها في الآونة الأخيرة من التناقضات الشديدة للغاية». ويقول الكسندر سيدياكين، النائب المحافظ والمؤيد للكرملين في مجلس الدوما، إن روسيا يجب ألا تحاول انتقاد الأميركيين أثناء مرورهم بأزمة الإغلاق التي تتعرض لها حكومتهم حالياً، وعلى الولايات المتحدة أن تتوقف في المقابل عن انتقاد روسيا. وأضاف: «يمكننا أن نراقب، وألا نحاول توجيه النصح، لنمنع هذه الفضيحة التي تتبدى أمام السلطات الأميركية حتى لا تتدخل في شؤون الدول الأخرى... أعتقد أن هذه الأزمة أفسدت سمعة الولايات المتحدة، لكن الأميركيين في واقع الأمر فقدوا مصداقيتهم في المجال الدولي لبعض الوقت. هذه أزمة لنظامهم بكامله، وهي تثبت أن فكرة العالم أحادي القطب فكرة خاطئة تماماً وغير قابلة للاستمرار». فريد ووير محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»