يتهم منتقدون أميركيون أوباما بأن سياسته الخارجية ضعيفة، وبأنها تفتقد الصرامة مع الخصوم وتهاب استخدام القوة. وقد حثه السناتوران جون ماكين وليندسي جراهام على التدخل عسكرياً بقوة في سوريا لمساعدة المعارضة في إلحاق الهزيمة بنظام الأسد. ولكن أوباما رفض هذا قائلاً إنه يفضل حلاً دبلوماسياً ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، قبل أن يفكر في توجيه ضربات عسكرية إلى نظام دمشق. وقد اتخذ أوباما هذا الموقف لأنه يعتقد أن القوة العسكرية الأميركية قد تجعل الأمور أكثر سوءاً. ولم يكن مع ذلك غير مبالٍ بالمعاناة الكبيرة للشعب السوري والعبء الواقع على الدول المجاورة لسوريا التي تستقبل عشرات الآلاف من اللاجئين. فقد أقر تقديم أكثر من مليار دولار في صورة مساعدات إنسانية للاجئين، وأبدى اهتمامه بهم ووافق على تقديم عتاد غير قاتل للمعارضة. وطالب الأسد بأن يترك السلطة، وعمل بجد عبر القنوات الدبلوماسية في محاولة للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة السورية. وحاول خاصة أن يقنع روسيا الداعم الرئيسي للأسد بأن تساعد في حسم الأزمة السورية. وفشلت الجهود فيما يبدو في الماضي في إشراك روسيا. وأصر الروس على دعم النظام في دمشق بصرف النظر عن مدى وحشيته وانعدام إنسانيته تجاه شعبه، وكذلك لم يستجيبوا لدعوات عدد الدول في الشرق الأوسط التي تعارض نظام الأسد. وبهذه الكيفية لم تتزحزح موسكو فيما يبدو عن التزامها العنيد بالتحالف مع دمشق. ولكن هذا الموقف العنيد تغير فجأة عندما اتفقت الحكومة الروسية مع إدارة أوباما على أنه يتعين على سوريا أن تتخلى عن مخزونها من الأسلحة الكيماوية. وهذا التغير كبير لأسباب عدة. أولاً، الحكومة السورية جمعت أسلحتها الكيماوية بدعوى كونها ترسانة دفاع استراتيجية مهمة والتخلي عنها يعتبر تنازلاً كبيراً. ويصف الخبراء الأسلحة الكيماوية بأنها بمثابة ترسانة «أسلحة نووية» بالنسبة للدول الفقيرة، حيث يفترض أن تكون رادعاً للآخرين. ولعل هذا هو ما كان يعتقده الأسد. ثانياً، موافقة الأسد المفاجئة على التخلي عن المخزون الكيماوي كشفت بشكل شديد الوضوح أن موسكو لديها تأثير كبير على دمشق. ووافق الأسد على الفور عندما قررت القيادة الروسية أن على سوريا التخلي عنها. والآن بدأت عملية إزالة وتدمير تلك الأسلحة، وفيما يبدو أن الأسد قرر بالفعل التخلص منها. ويفترض أنه قد فعل ذلك لأن روسيا طلبته منه. ثالثاً: أن الاتفاق الروسي السوري بالتخلي عن الأسلحة الكيماوية السورية مهم أيضاً لأنه حدث فيما يبدو بسبب تهديد أوباما باستخدام القوة بشأن قضية الأسلحة الكيماوية. وركز أوباما العام الماضي على قضية الاستخدام السوري المحتمل للأسلحة الكيماوية، وقال إنها قد تغير قواعد اللعبة. ووضحت إدارته أن مثل هذه الخطوة ستكون تجاوزاً لخط أحمر قد يدفع واشنطن إلى أن تتخذ إجراء أكثر جرأة ضد سوريا، وهذا يشير إلى أن أوباما قد يأمر بعمل عسكري. ثم أصبح من الواضح في أغسطس أن النظام السوري استخدم بالفعل الأسلحة الكيماوية ضد المعارضة، وأمر أوباما البنتاجون بأن يعد خطة لعمل عسكري في سوريا. فأوباما الذي قاوم من قبل الضغوط الداعية لاتخاذ عمل عسكري وجد نفسه حينها وهو يفكر في الإقدام على ذلك. وقد لفتت هذه الاستعدادات العسكرية انتباه القيادة في موسكو ودمشق وغيرت فيما يبدو حسابات وسياسات العاصمتين. وبينما ظلت موسكو ودمشق تزعمان أن أوباما لن يتخذ إجراء عسكرياً في سوريا أدركتا فجأة أنه يستعد لعمل كهذا. وهذا الإدراك جعلهما تذعنان بشأن قضية الأسلحة الكيماوية. وفهمتا أخيراً أن لصبر أوباما حدوداً، وأنه جاد عندما رسم خطاً أحمر. صحيح أنه بعد أن أعلن أوباما الاستعدادات لهجوم عسكري على سوريا، كان هناك احتجاج قوي من أعضاء الكونجرس الذين قال بعضهم إنه يفعل هذا دون موافقتهم، وقالوا إنهم يعارضون أي تحرك. واستجابة لهذا الاحتجاج، وافق أوباما على تأجيل عمله العسكري حتى يستشير الكونجرس. ولكنه لم يعد أيضاً بالإحجام عن العمل العسكري في حالة تصويت الكونجرس ضد القرار. وأشار مسؤولون من الحكومة إلى أن الرؤساء الأميركيين في الماضي أقدموا على أعمال عسكرية دون موافقة الكونجرس، ولذا فليس عليهم أن يتقيدوا برفضه. ومع أخذ القيادة الروسية والسورية لهذا الأمر في الحسبان، قررتا ألا تغامرا بالرهان على أن أوباما لن يعلن الحرب في حالة عدم موافقة الكونجرس. ونظراً لتهديده باستخدام القوة بشكل جدي، قررتا أن تتخليا عن الأسلحة الكيماوية. ولذا لقي تهديد أوباما تصديقاً في المواقع الأكثر أهمية، في موسكو ودمشق. ولكن آخرين لاحظوا أيضاً أن الرئيس الأميركي كان يقصد ما يقول عندما تحدث عن استخدام القوة العسكرية الأميركية في الخارج. ورسم أوباما خطاً أحمر آخر في الشرق الأوسط متعلق باكتساب إيران للأسلحة النووية. وقال مراراً إنه لن يسمح بذلك و«لن يستبعد أي خيار من على الطاولة» فيما يتعلق بهذا الشأن. والآن يشعر بعض المعلقين بأن هناك تغييراً في التوجه الإيراني تجاه الولايات المتحدة وفي القضية النووية. وفي المقابل، قال أوباما إنه مستعد لأن يجرب الدبلوماسية، ولكنه ما زال قلقاً من النوايا الإيرانية، ولن يتخلى عن أي خيار. وقد راقبت طهران معالجة أوباما لقضية سوريا، وربما أدركت أنها لا تستطيع أن تضغط عليه كثيراً، لأن هناك ظروفاً سيكون هو فيها راغباً في استخدام القوة. وهذا قد يكون عنصراً مؤثراً في حسابات طهران.