في بدء الإسلام، في مكة كان القرآن الكريم يؤكد بشكل متكرر أن الشرك هو أعظم الذنوب وأن الله لا يغفره، بعد سنوات وبعد الهجرة إلى المدينة، كان القرآن ووصايا الرسول صلى الله عليه وسلم يؤكدان بشكل قاطع للفئة المؤمنة الجديدة أن الشهادتين غير كافيتين، لتكون مؤمناً صالحاً، وأن الاعتداء والظلم والسرقة والكبر وسوء الأخلاق، كل أولئك مخالفات لا يمكن تجاوزها، ومن الواضح أن تزايد أعداد المسلمين في السنوات الأربع الأخيرة من عمر الرسالة كان مثيراً للقلق، فالنخبة من السابقين الأولين الذين واجهوا المحن وتهذبوا وتربوا على عين النبي، كانوا محظوظين حقاً لأن قلة ممن جاء بعدهم استطاعوا أن يصحبوا الرسول في أغلب أوقاته ويتربوا على يديه، مثل أبي هريرة، وأنس بن مالك، وإن كانت حظوظهم تتفاوت في استلهام المثل من نبي الإسلام. عشرات الألوف الذين اعتنقوا الدين الجديد في أواخر حياة الرسول، كانت غالبيتهم لا تزال مشدودة إلى جاهليتها. لهذا تشير بعض الآثار إلى أن من ارتكبوا أخطاء كبيرة بعد إسلامهم كانوا حدثاء عهد بجاهلية. وكان من أجمل الأحاديث التي تناقلتها الأمة وأرقى الوصايا قول الرسول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وكانت إحدى أهم المسائل التي عني الإسلام بها في فترة مبكرة هي التعليم، ولهذا كانت قلة قليلة من الصحابة من كان يقع عليهم الاختيار للسفارة ولتبليغ الرسائل بحصافة وذكاء ونباهة. ونحن نعلم من السير التي بين أيدينا للصحابة أن هناك فئة تعلمت أكثر من غيرها، ولكن قلة منهم من كانوا أكثر حظاً بالتربية بين يدي الرسول. التربية والتعليم لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. وأساس المسألة ونجاحها مرهون بالبيت، فالأشخاص الذين ينشؤون أصحاء واثقين من أنفسهم قادرين على مواجهة العالم والتعامل معه، هم الذين ترعرعوا في بيئة صحية ومنفتحة وفي أحضان والدين منفتحين وليسا متعلمين فقط. وأساس التربية والتعليم هو السؤال والنقاش، والشعور بالأمان عند السؤال والاستفسار وإظهار عدم الاقتناع بما يُلقى من إجابات جاهزة وما يلقن من تعاليم وعقائد. الحرية والاختيار هما ما ينقص المسلمين من إندونيسيا إلى المغرب العربي، فهم يقمعون أنفسهم داخل رقعتهم الجغرافية، ولكنهم يجعلون من هاتين القيمتين أساس مطالبهم في بلاد العالم المتقدم التي يهاجرون إليها ويسعون إلى تغيير ثقافتها وتركيبتها السكانية. في الشهر الماضي كانت أحداث نيروبي وقيام المهاجمين من «الجهاديين» بفصل المسلمين عن غيرهم هي الأخبار التي تصدرت الصفحات الأولى في معظم الصحف الغربية. من أفضل الوسائل ضد التطرف والانغلاق تخصيص أوقات يشاهد فيها الناشئة برامج وثائقية تحكي التنوع الذي تزخر به البشرية في الأديان والعقائد الغريبة لكي يستوعبوا حكمة الله في التنوع والتعدد في الأنفس والآفاق. وكذلك زيارة الكنائس وأماكن العبادة. دعوهم يتأملون في وجوه المؤمنين والمؤمنات الذين يذرفون الدموع بقلوب منكسرة، كما يشرق شيخ بدمعته وهو يتلو سورة الرحمن بين سواري مسجد الشيخ زايد. تكشف السيرة النبوية عشرات الأمثلة والقصص التي توضح كم كان النبي حليماً ورحيماً ومتغافلاً عن التجاوزات والتصرفات الخشنة التي كان يتعرض لها من قبل المسلمين الجدد، ومن الأعراب على وجه الخصوص، حيث إن الإقبال الكثير من أعراب الجزيرة على الإسلام، جاء بعد الفتح، وحيث واجه الإسلام وقتها أخطر تحديين، تطلعات الطلقاء ومطامحهم نحو السيادة والنفوذ، وأخلاق الأعراب الذين كانوا السباقين إلى الردة بعد وفاة النبي.