ورد في الحديث الصحيح عند مسلم وغيره "مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" والحديث واضح في معناه ، فمن حج ملتزما بشروط صحة الحج رجع نقياً من الذنوب والمعاصي كيوم ولدته أمه، ومن هذا المعنى يأتي هذا المقال. فأداء هذا الركن من أركان الإسلام هو نقطة تحول في حياة الإنسان، وفرصة سانحة للبدء بصفحة جديدة مع ربنا الرحمن، فللحج مواقف تحمل الكثير من العبر للعقلاء من البشر. أول أركان الحج النية والإحرام، عندها يعلن الإنسان بقلبه قبل اللسان لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك لا والملك لا شريك لك. لاحظ تكرار التأكيد على وحدانية الله تعالى وعدم الشرك به فمن أشرك بالله فقد وقع في هاوية خطرة لقوله تعالى "إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا". ومع وحدانية الرب، تأتي المساواة بين الخلق، فكلنا من آدم وآدم من تراب، لذلك عد الكبر والتكبر على الناس من أعظم الأمور التي حاربها الإسلام في العرب من الجاهلية حتى يومنا هذا، وهل هناك مرض قلبي أخطر من النظر باحتقار لغيرك من الخلق. جاء في الحديث الصحيح "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فما أجمل ملابس الإحرام التي تؤكد هذه المعاني عند كل حاج. المشهد الثاني من مناسك الحج هو الطواف حول الكعبة، نحاكي بذلك طواف الملائكة ، نتذكر كل نبي طاف بالبيت العتيق، لأن ديننا هو امتداد لما جاء به الرسل جميعاً عليهم الصلاة والسلام، يبدأ الطواف باستلام الحجر الأسود أو الإشارة له رمزاً لبيعة صادقة تقول فيها لخالقك: أنا أعاهدك على السعي في هذه الدنيا مع الناس فيما يرضيك. الطائف حول الكعبة قلبه باتجاهها وجسده مع الناس، فهو يمضي في هذه الدنيا، كما يفعل غيره، غير أن قلبه لا يبتعد عن خالقه، لذلك من أصح الأدعية عند الطواف قولنا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. المشهد الآخر للولادة من جديد، هو في يوم عرفة كأن الناس فيه مجموعون لأمر عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، لكن هذا القيام هنا بقرار من الإنسان نفسه يناجي ربه، ويتضرع إليه مستشعراً أن خالقه يسمع نجواه، ويتجاوز عن خطاياه، لكنه يوم المعرفة التي لا ينبغي أن نغفل عنها معرفة خالقنا ورازقنا ومن إليه مردنا، وهي من أهم المعارف في حياة الإنسان، لقد أكرمنا الله تعالى بأن جعلنا من المسلمين، لكن الملايين من البشر اليوم حائرين في هذه القضية، إنها معرفة الخالق سبحانه وعبادته لا شريك له. ومن مشاهد الحج الكبيرة رمي الجمرات، إنها حركات رمزية يقذف فيها المسلم أصغر حجارة على أخطر عدو له على كوكب الأرض. يقول تعالى لنا: "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً"، بيد أننا في حراكنا اليومي نتناسى المعركة الحقيقية والأزلية مع هذا العدو، الذي يشغلنا بمعارك جانبية يكون هو المنتصر فيها، جاء في الحديث "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم". من يتأمل معاني الحج التي ذكرتها، يدرك أهمية هذا الركن في حياتنا، لكن هذه المعاني بإمكاننا تمثلها والتخلق بها حتى ونحن في ديارنا.