هناك من يرى بأن عدداً من المبدعين، من أدباء وفنانين ومخرجين نجحوا في استشراف المستقبل، من خلال ما سطّرته أقلامهم، ومن خلال ما مثّلوه وما أخرجوه من أفلام الخيال العلمي، فتحوّلت الصورة من خيال افتراضي نسجته أذهانهم إلى حقيقة راسخة، بعد مرور عقود أو سنوات قليلة على كتابتها أو إخراجها للناس. في عام 1999 عُرض فيلم مصفوفة (matrix) الذي تنبّأت أحداثه عن الحادي عشر من سبتمبر، فنجد في مقطع منه يعترف أحد أبطال الفيلم بأن التفجير الذي وقع عام 1993 بمركز التجارة العالمي وأودى بحياة أربعة آلاف شخص كان من صنيعة المخابرات الأميركيّة، حيث قامت بالتفجيرات وتمَّ إلصاقها بالمسلمين، وقد مهّد الطريق لذلك أحد موظفيها الدبلوماسيين، بإصداره تأشيرات لمجموعة من الإرهابيين، كي يُوافق الكونجرس مرغماً على زيادة المخصصات المالية للمخابرات المركزية. وسواء كان هذا السيناريو قد تم تطبيقه لاحقاً، إذا وافقنا على نظرية المؤامرة التي يُروّج لها البعض! إلا أنني ما زلتُ حسنة النيّة حيال هذا الأمر! وأرى بأن عدداً من الكتب التي قرأتها، والأفلام التي شاهدتها في صغري وأبهرتني، قد أصبحت واقعاً ملموساً على الأرض، وهو ما جعلني أؤمن بأن الاختراعات كانت في الأصل مجرد أفكار خياليّة أتّقدت فجأة في ذهن صاحبها. مؤخراً عُرض فيلم النسيان (Oblivion) وهو من أفلام الخيال العلمي، وتقع أحداث الفيلم عام 2077، على أساس أن التصوير تمَّ بعد مرور 60 عاماً على قيام مخلوقات فضائيّة، بتدمير القمر والسيطرة على الأرض، للحصول على مواردها الطبيعيّة. الأحداث تتوالى، وتبيّن أن سكان الأرض اضطروا إلى استخدام القنابل الذرية، للدفاع عن أرضهم ضد الغزاة، ومع أنهم ربحوا الحرب إلا أنهم خسروا كوكبهم الذي أصبح ملوثاً بالإشعاعات، وغدا غير صالح للعيش الآدمي، ما دفع سكانها المتبقين إلى مغادرة أرضهم في مركبة فضائيّة، والانتقال إلى القمر (تيتان) أكبر كواكب زُحل. شاهدتُ هذا الفيلم برفقة ابنتي، وسألتني بعد أن انتهى عرضه.. هل من الممكن أن ينتهي هذا الحال بأرضنا؟! أجبتها بأن الإنسان إذا استمر في انتهاكاته للأرض التي يعيش عليها، وأصرَّ أن يتعامل معها بعجرفة، فلا تستغربي لو وجدنا أنفسنا ذات يوم نهيم في عراء الفضاء، باحثين عن ملاذ آمن! لستُ هنا في معرض التحدّث عن التنبؤات، ولكنني أريد أن أنبّه للمخاطر التي تُحيق بأرضنا. جميعنا مسؤول عن حجم الضرر الذي أصاب كوكبنا. تعاملنا اليومي مع الأرض ينم عن استهتارنا بها. علماء العالم تقع عليهم المسؤولية الأكبر، من خلال تجاربهم العلمية واختباراتهم الخطيرة التي يجرونها يوميّاً، والتي تسببت في تغيّر مناخ الأرض، واتساع ثقب الأوزون، وحدوث تصدّع بالمحيطين المتجمد الشمالي والجنوبي وذوبان الثلوج فيهما، وجفاف التربة الزراعية نتيجة قلة مياه الأمطار! وأنا أشاهد الفيلم، تذكّرتُ ما جرى في الاتحاد السوفييتي سابقاً بعد حادثة محطة تشيرنوبل بأوكرانيا التي تُعدُّ أكبر كارثة في تاريخ البشرية، لما خلّفته من دمار بالتربة وجعلتها غير صالحة لآلاف السنين. وما جرى في مفاعل فوكوشيما اليابانية، الذي أدّت الظواهر الطبيعية أيامها إلى انفجاره، وتلوّث البقعة المحيطة به وتحولها إلى منطقة محظورة! نعم الطاقة النووية جلبت الكثير من المنافع للبشرية، ولكن هناك من يعمل ليل نهار ليصنع قنابل ذرية كي يتباهى بها بين أمم الأرض، ويُكتب اسمه في قائمة الأقوياء! لا يُدرك هؤلاء أن التلوث الناجم عن هذه التجارب لن تستثني أحداً إذا ما لمست أرضنا. كم نحن قساة وجاحدون في حق الكوكب الذي آوانا منذ بدء الخليقة.