إذا مرض الاقتصاد الأميركي، فإن اقتصادات بقية بلدان العالم تصاب بالحمى، هذا هو وضع الاقتصاد الدولي وربما يمتد إلى حين، إذ أن لهذا الوضع ما يبرره، فالاقتصاد الأميركي يشكل 20 في المئة تقريباً من الناتج العالمي، هذا عدا الدور المهيمن للدولار في المعاملات المالية والنقدية وحجم الاستثمارات الأجنبية، بما فيها العربية في الولايات المتحدة. وكما هو الحال تأزمت الأوضاع المالية هناك مؤخراً بسبب رفض الكونجرس لمشروع الميزانية، مما أدى لتوقف جزء من نشاطات الحكومة الاتحادية، علماً بأن هناك موضوعاً آخر قادم أكثر أهمية وتحدياً للاقتصاد العالمي، وهو موضوع رفع سقف الدين الأميركي، والمقرر تبنيه أو رفضه بعد أيام قليلة بتاريخ 17 أكتوبر الجاري. وإذا كان موضوع الميزانية يتعلق بشأن أميركي داخلي بصورة أساسية، فإن موضوع سقف الدين العام، يعتبر مسألة دولية تمس اقتصادات معظم البلدان، وهو ما يثير مخاوف قد تعرض العالم لأزمة جديدة تتجاوز مخاطرها الأزمة المالية، التي حدثت قبل خمسة أعوام ولا تزال تداعياتها تتوالى. ماذا يمكن أن يترتب على عدم رفع سقف الدين؟ يبلغ حجم سقف الدين العام الأميركي حالياً 16.7 تريليون دولار، وهو قريب من حجم الناتج المحلي، إلا أنه لا يفي بغرض تسديد الالتزامات المالية المترتبة على واشنطن، مما يتطلب رفع السقف وإلا واجهت الحكومة خطر التخلف عن السداد. وبما أن الكثير من البلدان، بما فيها العديد من البلدان العربية الغنية تستثمر مئات المليارات من الدولارات في سندات الخزانة الأميركية، فإن عدم القدرة على السداد سيلحق بها خسائر جسيمة، خصوصاً وأن بعض البلدان تعتمد جزئياً على عائدات الخزينة في تمويل بعض مشاريعها التنموية، كما أن عدم القدرة على السداد سيعرض الأوضاع المالية الدولية لانتكاسة خطيرة في ظل أوضاع اقتصادية مهزوزة وغير مستقرة ناجمة عن الأزمة السابقة. وإلى جانب الصين واليابان، فإن السعودية من خلال مؤسسة النقد أو البنك المركزي، فإن معظم أصولها البالغة 690 مليار دولار مقومة بالدولار، مما يضعها على قائمة أحد أكبر حاملي سندات الحكومة الأميركية، وذلك إضافة إلى أن أصول العديد من البلدان العربية الأخرى مقومة بالدولار كذلك، مما يعني أن الأزمة الأميركية فيما لو حدثت سوف لن تستثني أحداً. ومع أنه من المرجح أن تقر الميزانية، وأن يرفع سقف الدين العام لتتمكن الولايات المتحدة من الإيفاء بالتزاماتها، إلا أن ذلك لن يتم بسهولة، إذ هناك تصفية حسابات بين إدارة أوباما وبين خصومه «الجمهوريين»، وبالأخص اعتراضهم على برنامج الرعاية الصحية أو ما يعرف بـ«أوباما كير»، مما يعني أن الاقتصاد العالمي قد يتعرض لهزة مؤقتة، على اعتبار أن البديل هو إفلاس الحكومة الأميركية، وهو ما لم يتحمله الاقتصاد العالمي. ولكن إلى أي مدى يمكن للولايات المتحدة رفع سقف الدين العام ؟ سؤال آخر مهم، فالاقتصاد الأميركي ليس في أحسن حالاته، كما أن ميزان القوى الاقتصادية في العالم لا يسير لصالحها، فهناك البلدان الناشئة بقيادة الصين والاتحاد الأوروبي برئاسة ألمانيا والعولمة وانفتاح الأسواق واشتداد المنافسة، كلها عوامل لا تصب لصالح الاقتصاد الأميركي المعتمد على الديون للمحافظة على قوة اندفاعه الضعيفة. وإذا استمر الحال على هذا المنوال، فانه سيأتي اليوم الذي تعجز فيه الولايات المتحدة عن الإيفاء بالتزاماتها المالية، فسقف الدين ربما تجاوز الحدود القصوى، أو هو في طريقه إلى ذلك، مما يهدد بالانهيار الاقتصادي. من هنا لا بد من التفكير منذ الآن في مسألة الاستثمارات الخليجية والعربية المقومة بالدولار، بما فيها سندات الخزانة الأميركية، فما يحدث الآن ناقوس خطر لا بد من الانتباه إليه والاستفادة من تطوراته من خلال إعادة رسم خريطة الاستثمارات في الخارج بصورة أكثر توازناً لتعبر عن الاصطفاف الجديد للقوى الاقتصادية الدولية. د.محمد العسومي