شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل أول من أمس، تمرير أعضاء البرلمان الأوروبي لحزمة من القوانين والتشريعات، الهادفة إلى خفض استهلاك التبغ بين سكان القارة العجوز، وخصوصاً الشباب وصغار السن. وتأتي هذه الخطوة في ظل تقدير الإحصائيات الصادرة عن المفوضية الأوروبية بأن حوالي 700 ألف أوروبي يلقون حتفهم سنوياً، بسبب أمراض ناتجة عن التدخين، وهو ما يعادل عدد سكان مدينة فرانكفورت الألمانية، أو مدينة بالرمو، عاصمة جزيرة صقلية الإيطالية. وعلى صعيد التكلفة الاقتصادية، يقدر بأن تدخين منتجات التبغ وحدها، يكلف نظم الرعاية الصحية لدول الاتحاد الأوروبي، أكثر من 25 مليار يورو، أو 125 مليار درهم سنوياً. وإنْ كانت القوانين والتشريعات التي مررت بداية الأسبوع، في رأي البعض، لم ترق إلى المستوى الذي كان يأمل فيه الكثيرون، وهو ما يعتبر انعكاساً للصراع السياسي المحتدم بين جماعات الضغط التابعة لشركات صناعة التبغ، والمنظمات والهيئات غير الحكومية، التطوعية والخيرية، العاملة في مجال مكافحة استخدام التبغ، والحد من تجارته. وإنْ كانت النجاحات التي حققتها تلك المنظمات في منظومة التشريعات الأخيرة، وأيضاً الإخفاقات التي منيت بها، تفتح نافذة مضيئة على الجوانب المختلفة لقطاع زراعة، وصناعة، وتوزيع، وتسويق، واستهلاك منتجات التبغ. فعلى صعيد النجاحات مثلاً، دعم أعضاء البرلمان، منع استخدام النكهات المختلفة، التي تُضاف أحياناً إلى دخان التبغ، لإخفاء وتغطية طعمه السيئ، وخصوصاً لمن يجربون استخدامه للمرة الأولى. وإن كانت نكهة النعناع، والتي يزود بها التبغ من خلال إضافة مواد كيميائية خاصة، بعيدة كل البعد عن النعناع الطبيعي، لن تمنع إلا بعد مرور خمس سنوات، مما يعتبر نجاحاً لشركات التبغ، وإخفاقاً للرامين لمكافحته. النجاح الآخر الذي حققته شركات التبغ، كان على صعيد عدم منع التشريعات الجديدة للسجائر الرفيعة الطويلة، والتي تعرف أحياناً بالسجائر النسائية. ويسعى مكافحو التبغ لمنع هذه السجائر، بسبب جاذبيتها الكبيرة للنساء، الناتج عن شكلها الأنيق، والانطباع الخاطئ بأنها تحمل نسبة أقل من النيكوتين، وبالتالي ضرراً أقل على الصحة، مما يغري الفتيات المراهقات باستخدامها، والدخول في عالم إدمان التبغ من سن مبكرة. وإن كانت علب السجائر المصنعة على شكل زجاجات عطور، أو مدمجة في عبوات تشبه عبوات أصابع أحمر الشفاه، سوف تمنع. ويتكرر أيضاً هذا الانطباع الخاطئ بأن بعض أنواع السجائر أقل ضرراً من الأخرى، مع السجائر التي تحمل توصيفاً على العبوة بأنها خفيفة، أو منخفضة المحتوى من القار والنيكوتين، مما حدى بأعضاء البرلمان بمنع استخدام مثل هذه الكلمات على علب السجائر. ففي رأي البعض، أن مثل هذه النوعية من السجائر، وما تمنحه من انطباع خاطئ بانخفاض الضرر الصحي الناتج عنها، مقارنة بالسجائر العادية، يتسبب في ضرر أكبر لمستخدميها، بناء على أنهم يشرعون في تدخين عدد أكبر منها، تحت شعور واهم بقلة ضررها، وللحصول على الجرعة التي يحتاجونها من النيكوتين. والمعروف أن الضرر الأكبر والأعظم من تدخين منتجات التبغ، ليس بسبب النيكوتين في حد ذاته، وإنما نتيجة المواد الكيميائية التي تضاف إليه، وبسبب الدخان الناتج من حرق التبغ، والورق الذي يغلف به. وبالنسبة للسجائر الإلكترونية، رفض أعضاء البرلمان الاقتراح المقدم من المفوضية الأوروبية، بتصنيفها كمنتج طبي، لا بد أن يخضع للقوانين والتشريعات المنظمة لبيع واستهلاك المنتجات الطبية الأخرى. ويرى البعض أن هذا القرار يعتبر انتكاسة في جهود مكافحة استهلاك التبغ، على أساس أن السجائر الإلكترونية ستمنح التدخين صورة عامة إيجابية، تنقض الصورة السلبية المقترنة به حالياً، مما قد يشجع كثيرين -وخصوصاً الأطفال- على الانخراط في هذا السلوك، وإدمان تدخين منتجات التبغ لاحقاً. وعلى الجانب الآخر، يرى آخرون أن النيكوتين في حد ذاته، وفي الجرعات التي تتضمنها السجائر الإلكترونية، لا يشكل خطراً صحياً يذكر، أو على أقل التقديرات لا ترقى مخاطره إلى المخاطر الصحية التي تترافق مع مكونات التبغ الأخرى الضارة، التي يستنشقها المدخن للحصول على حاجته من النيكوتين. بل يمكن للسجائر الإلكترونية، كوسيلة إحلال للنيكوتين، أن تكون خطوة على طريق الإقلاع النهائي عن هذه العادة السيئة والمميتة. فما لا يدركه غالبية المدخنين، أن ما يدخنونه بشكل يومي، لا يقتصر على أوراق التبغ فقط، بل يحتوي أيضاً على قائمة من المواد الكيميائية، يبلغ عددها 599 مادة ومركباً كيميائياً، غير موجودة بشكل طبيعي في التبغ، وإنما تمت إضافتها من قبل الشركات المصنعة للسجائر. والغريب في هذا الموضوع، أن هذه المضافات، على عكس المضافات الكيميائية التي تضاف للمنتجات المخصصة للاستهلاك الآدمي، لا يتوجب على شركات صناعة التبغ الإفصاح عنها، أو ذكرها على العبوة. والأغرب من هذا، أن هذه المضافات وعلى رغم أنها اختبرت سلامتها كمضافات للطعام، فإن أثر حرقها، ومن ثم استنشاق الغازات الناتجة عنها، لم يختبر قط على البشر، وغير معروف بالمرة مدى أمانه وسلامته على الصحة، وخصوصاً على أنسجة الرئتين. د. أكمل عبد الحكيم