تشهد مصر الآن حالة حنين إلى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر عبر استدعاء صورة زعامته وإعادة رسمها بطريقة تركز على ما كان إيجابياً في عهده وتستبعد سلبياته. لذلك تختلف هذه الحالة عن المراجعة الموضوعية التي يقوم بها المتخصصون في تاريخ الزعماء وغيرهم من الشخصيات المؤثرة في التاريخ، ويطلقون عليها زيارة جديدة إلى هذا أو ذاك منهم. فليست هذه مراجعة أو إعادة تقويم منهجية لعهد عبدالناصر من زاوية جديدة أو وفق رؤية مستحدثة، بل حالة تعبر عن رغبة في زعامة جديدة تحمل ما اقترن بهذا العهد من استقلال وطني وعدالة اجتماعية. لكن عهد عبدالناصر اقترن بتوجهات أخرى لا يصح استلهامها في عهد جديد يبدأ الآن، وخاصة التوجه الديكتاتوري الذي حال دون ضمان الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية بعد تحقيق تقدم في اتجاه كل منهما. فليس ممكناً بناء مستقبل على أسس صحيحة انطلاقاً من قراءة خاطئة أو مبتسرة للتاريخ. وكانت إحدى سلبيات عهد عبدالناصر أنه بدأ بإهالة التراب على العصر الملكي الذي رُسمت له صورة أحادية ركزت على ما كان سلبياً فيه وأغفلت إيجابياته التي ظل الحديث عنها محظوراً حتى نهاية ستينيات القرن الماضي. وما أن رحل عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 حتى تعرض عهده بدوره لغير قليل من التشويه، الذي كان أكثره رد فعل على تقييد الحريات في هذا العهد إلى الحد الذي لم يكن ممكناً الحديث عن أي من سلبياته. ولأن لكل فعل رد فعل مضاد، فقد بولغ في هذه السلبيات عقب رحيل عبدالناصر مثلما كانت هناك مبالغة في حظر أي حديث عنها في عهده. غير أن التشويه الذي لحق بعهد عبدالناصر كان جزئياً لأنه حدث في الوقت الذي قلّت القيود على الحريات، وصار بإمكان من يؤيدون هذا العهد أن يبرزوا إيجابياته. ولذلك لم تمض سنوات قليلة حتى تحقق نوع من التوازن في معالجة ما حدث في عهد عبدالناصر، وأصبح بإمكان من يريد معرفة حقيقته أن يجد ما يُعتبر إيجابياً وما يُعد سلبياً، وأن يقارن بين روايات مختلفة بشأنه، وليست رواية واحدة. لذلك ليس ثمة مبرر موضوعي لإعادة رسم صورة عبدالناصر بتأثير حالة عاطفية ناتجة عن الرفض الشعبي لتنظيم «الإخوان» والاعتقاد بوجود تشابه بين موقف عبدالناصر ضده بعد ثورة 1952 وانحياز الفريق السيسي إلى ثورة 30 يونيو وإنقاذ البلاد من محاولة هذا التنظيم الهيمنة على الدولة والمجتمع. وفضلاً عن أن الاعتقاد في هذا التشابه لا يستند على أساس، بسبب اختلاف الزمن وتغير الظروف داخلياً وإقليمياً ودولياً، لا يصح التعامل مع التاريخ بمثل هذه الطريقة العاطفية التي جعلت الذكرى الثالثة والأربعين لرحيل عبد الناصر في 28 سبتمبر الماضي مختلفة تماماً عن أي ذكرى سابقة من حيث الاحتفاء بها وخاصة على المستوى الإعلامي. وإذا كان عهد عبدالناصر قد تميز بنقلة مهمة إلى الأمام في مجال الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية، فقد شهد أخرى إلى الوراء على صعيد التطور الديمقراطي. ولذلك فإذا كان إعلان الجمهورية في يونيو 1954 يُحسب ضمن إيجابياته، رغم أن العبرة بالأداء الفعلي وليس بشكل النظام، يجوز القول إن غياب الديمقراطية وبالتالي حرمان الشعب من اختيار رئيس هذه الجمهورية بحرية، كان مناقضاً لجوهر المبدأ الجمهوري. فقد اقترن إعلان الجمهورية في مصر بفرض نظام سياسي ذي طابع فردي حصر دور الشعب في الاستفتاء بالقبول أو الرفض على مرشح واحد يهبط عليه من أعلى. وكانت نتائج الاستفتاءات معلومة سلفاً، حيث المرشح المستفتى عليه هو الرئيس بأغلبية ساحقة سواء توافرت هذه الأغلبية أو لم تكن هناك أغلبية أصلاً. وقد بدأ الأمر بأغلبية وصلت إلى 9،99 في المئة، ثم تناقصت تدريجياً، لكنها لم تقل عن 95 في المئة. كما لم يكن من حق أي مصري أن يترشح قبل عام 2005، حيث كان البرلمان هو الذي يختار المرشح الوحيد الذي يُطرح للاستفتاء العام. غير أن طغيان سلطة عبدالناصر جعل دور البرلمان شكلياً تماماً منذ البداية. فقد أصبح هو أول رئيس للجمهورية عام 1956 قبل انتخاب مجلس الأمة الذي ظل يرشحه حتى رحيله، وصارت هذه قاعدة مستمرة بعده، ولذلك صار نائبه وقت وفاته أنور السادات هو المرشح الذي يقتصر دور أعضاء البرلمان على تسميته إلى أن اغتيل عام 1981، فتكرر الأمر مع نائبه أيضاً (مبارك) حتى تم تعديل المادة 76 من الدستور السابق (دستور 1971) عام 2005 لتنص على انتخاب الرئيس من بين أكثر من مرشح بدلاً من الاستفتاء على مرشح وحيد. غير أن انتخابات عام 2005 الرئاسية لم تختلف عن الاستفتاءات المتوالية منذ عام 1956 وحتى عام 1999 إلا في الشكل. فكانت نتيجتها محسومة سلفاً ومعروفة مسبقاً. لكن بدلاً من أن تعلن النتيجة بأغلبية ساحقة تقول نعم وأقلية صغيرة تقول لا، وزعت هذه الأقلية عام 2005 على تسعة مرشحين. وهكذا فُرِّغ المبدأ الجمهوري، الذي يُعتبر ضمن إيجابيات عهد عبد الناصر، من مضمونه. فلم تعرف مصر مزايا هذا المبدأ، مثلها في ذلك مثل كثير من البلاد التي أخذت به حينئذ، كما فقدت في الوقت نفسه مزايا النظام الملكي الذي بدأت في ظله عملية بناء دولتها الوطنية شبه الحديثة. الفرق إذن ليس في الشكل، بل في المضمون الذي يرتبط بحضور الإرادة الشعبية من عدمه. لذلك فمثلما تحولت نظم ملكية إلى الديمقراطية وتضاءل الفرق بينها وبين الجمهوريات الحقيقية، فقد حملت بعض النظم الجمهورية سمات ملكية في غير محلها، حيث يتم توريث الرئاسة لمن يختاره الرئيس حتى إذا لم يكن نجله أو شقيقه أو من أسرته. فليست علاقة الدم وحدها هي التي تصنع توريث السلطة، فقد يحدث ذلك عندما يختار الرئيس بإرادته المنفردة، بلا أي ضوابط أو معايير، نائباً له ثم تنقل السلطة إلى هذا النائب بعد رحيل من اختاره. وهذا ما حدث في كثير من البلاد «الجمهورية»، ووضع عبدالناصر أساسه في مصر على نحو عطّل تطورها الديمقراطي لعدة عقود. لذلك فهو يتحمل مسؤولية أساسية عن الصعوبات التي تواجه هذا التطور الآن. وهذا بعض ما ينبغي تذكره والتذكير به، اليوم، لاستيعاب دروس عهد عبدالناصر في مستهل عصر جديد في مصر.