المختلفون معهم مجرد أرقام تتساقط، لأن البشرية تتمحور حول إسقاط الذات الإلهية على حماة الدين المزعومين وتقمصهم دور المخلص الأوحد للأرواح البشرية التي ضلت الطريق إلى تقديس خالقها وعبادته حق عبادة، وكل ما تفعله باطل وضرب من الشرك، إذا لم يرتبط ويقترن بمبايعة أمير تلك الجماعة، وتبني أفكار الجماعة والإيمان بجدواها والعمل به، فهم من يملكون الوساطة بين الناس وربهم، ويعتقدون أن كمال الدعوة الإسلامية هو الكمال الذي تتضمنه أفكارهم وقناعاتهم وما يوافق أهوائهم من شرح وبيان للتشريع وفقه وتفسير صحيح للنصوص الدينية، وهو أحد أهم أركان بيعتهم وتبنيهم لفكر منظريهم والسمع والطاعة المطلقة لقياداتهم ولب معضلتهم الفكرية، فهم مؤمنون بأنهم يفهمون الإسلام ويعملون به كما فهمه وعمل به أصحاب سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وعلى آله وأصحابه، ولا بد من إعادة إحياء الدين كما كان يعيشه الصحابة، وهي مثالية أقرب إلى الغياب الكلي عن الوعي، وحلم الرجوع لمجد الإسلام الغابر. فيقول أحد أشهر منظريهم إن فهمهم للدين «نقياً صافياً شاملاً كافياً وافياً يساير العصور، ويفي بحاجات الأمم»، فهم في الغالب يعتقدون بأنه شيخهم في المذهب والفكر لا يخطئ، وأن يد الله التي ترعاه وقادرة على أن تحوِّل خطأ تصرفه أو رأيه إلى صواب، وهو إيمان راسخ لدى معظم جماعات الإسلام السياسي الراديكالي، والتطرف العنيف من «إخوان» إلى «حزب الله» والقائمة تطول. فإن لدى تلك الجماعات المتطرفة الإمامُ أو القائد أو الأمير هو المعيار، وفِكره تُقاس به الأمور كلها، ولا فلاح للمسلمين إلا بفكر قائدهم أو مؤسس جماعتهم ومن يخالفه، ولو كان المخالف متبعاً للكتاب والسنة، فهو خارج عن نهج الإسلام الصحيح، فهم يعتقدون العصمة في منهجهم، ومن لا ينضم إليهم أو يؤيد ما يذهبون إليه من رأي ومعتقد يصنف أنه خارج جماعة المسلمين، وشخص عاص يجب أن يتوب ويرجع لرشده فهم يؤمنون بمبدأ التقية مع باقي المسلمين وغير المسلمين على حد سواء. ويقع المجتمع ككل في خطأ تسميتها بالجماعات الإسلامية والسلفية والحركات الجهادية، ومختلف أنواع التصنيف الذي سلب الإسلام والمسلمين الكثير من حقوقهم الشرعية، وشوه معتقدات مهمة ورئيسية في حياتهم كالجهاد، أو عندما يطلق على شخص مسمى سلفي، وكأنه مختلف عن باقي المسلمين. الشخص الملتزم بالدين يقوم بعمل فردي رائع يعود بالنفع عليه وعلى مجتمعه، إذا كان جوهر تمسكه بالدين هو السماحة والتسامح والوسطية، وحسن عبادة الرب وحسن الخلق وعدم محاولة لعب دور شرطي الأخلاق والفضيلة في المجتمع. فالقرآن الكريم مليء بالآيات التي توضح، أي شك أن الله يهدي من يشاء، ولا إجبار في الدين ولا فرض، فالحكم لله في محصلة الأمر في شؤون عباده بصورة مطلقة، وهو أمر غير دنيوي، بل شأن إلهي خالص، ولو أراد الله إجبار الناس على الدين والفضيلة لفعل ذلك بلمح البصر، ولذلك لم يوكل أو يأمر عز وجل الأنبياء والرسل بقتل أو تعذيب أو إجبار على الدين الذين رفضوا التوحيد من أفراد أسرهم أو أقرب الناس إليهم فيما لم يعتدوا عليهم ويناصبوهم العداء المسلح أو يجبروهم على الدفاع عن الدين والعرض والمال والأرض، وفي ذلك عبرة لذوي الألباب؟ فمن يشرع في ارتكاب جريمة أو يخطط لها، أو يشجع عليها أو يساهم في ارتكابها أو ارتكبها هو مجرم وجريمته يستحق عليها العقاب، بغض النظر أن كانت أهدافه سياسية أو دينية ...الخ، فلماذا نعطي الخارجين على القانون، الذي حدث أنهم من جنسية معينة، ويؤمنون بدين معين شرف كلمة جهادي أو مجاهد أو سلفي جهادي أو إسلامي، وإعطائه الضوء الأخضر، لارتكاب المزيد من المذابح وتصويره بصورة البطل في نظر الكثير من أفراد المجتمع والتعاطف معه تحت بند الإخاء في الدين، وكيف نقع في هذا الخطأ، ونصر عليه في الجهات الرسمية على جميع المستويات المحلية والدولية، ونقع في هذه المصيدة الذكية من المتطرفين الذين يسعون جاهدين لتسميتهم بالمجاهدين أو بالمعارضين أو مقاتلي حرية أو رموز الدفاع عن حرية الرأي في مختلف المنصات الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصالات الحديثة؟ فتارة تسمع أنه حرب على الإسلام، وهذا خطأ شنيع يقع فيه الجميع، بقصد أو من دون قصد، ليؤكد بأن الإسلام من يقرر عنه ويفنده ويعرفه ويحدد علاقته بالغير هم المتطرفون والإرهابيون فقط. ومن جانب آخر تسمع أنهم يريدون أن يُخرجوا اليهود والنصارى من الجزيرة العربية. ورسولنا الكريم مات ودرعه مرهونة لدى يهودي في المدينة، فلم تكن جنسية الشخص أو ديانته شرطاً للعيش في الجزيرة العربية أو في سائر الدول الإسلامية. ولماذا ندين الاستعمار والغرب لمحاولة فرض أجندات معينة علينا، وعندما يتعلق الأمر بأن من يقوم بذلك تحت غطاء الدين من بني جلدتنا أو ديننا نعتبرهم أبطالاً، وهم لم يفوضهم الشعب عنه، ولم يسألوه رأيه في ما يفعلون، والحكم المدني بالنسبة لهم نظام مرتد أثيم، ويرفضون التدخل الأجنبي، إلا إذا كان هذا الأجنبي يحمل عمامة وهو أخوهم وفق علاقة خاصة وحصرية في الإسلام، أو اتفقوا معه على التدخل بالوكالة. وأرى أن نظرية المؤامرة أصبحت للأسف مسألة إسلامية إسلاموية بالمقام الأول، ومن يقف خلف التكتيكات التي تهدف إلى دفع تصورات مغالط بها ولا توجد بها مصداقية إلى وسائل الإعلام الدولية، لإعطاء الانطباع أنها تمثل الأغلبية، ونحن بصدد مؤامرة عالمية لتدمير الإسلام وهي مسألة وقت ليس إلا، وتحترق تلك الدول والمنظمات والعقول التي تقف خلف المتطرفين، وتدعمهم وفق صفقات ظلامية، إما لتجنب شرورهم أو لتجد لها مكاناً على الخريطة العالمية، فهذه الجماعات ليست طلائع شن حرب دفاعية عن كل مسلم وبالنيابة عن الأمة في مزيج معقد من الأيديولوجيا والبراجماتية في العمل تبرر استخدام العنف، ونبذ الوسائل السلمية، لأنها لن تسفر عن النتائج المرجوة، ولكن ماذا حقق المسلمون بعد انهيار الحضارة الإسلامية؟ إنهم في صراع مستمر مع العنف الذي وجه للآخر أو وجه ضدهم، فلم يحرر شبراً واحداً من فلسطين والدول العربية لا تزال تحت الانتداب عميلاً، وخلط الأيديولوجيات والمفاهيم لن يحرر العقول ولا الأراضي، والأمة اليوم على حافة الهاوية، ليس بسبب خطر الإبادة الكاملة، ولكن الحقيقة أن الأمة تكاد تخلو من تلك القيم الحيوية، لتنميتها وتحقيق تقدم حقيقي. ومنذ متى، ونحن نردد أن الغرب في تراجع وانحطاط روحي وأخلاقي، ولكن لو نظرنا لمجتمعاتنا من خلال نظرة فاحصة وموضوعية لعرفنا أننا نعاني مثل ما تعاني غيرنا من الحضارات في هذا الجانب، والحل العبقري الذي توصلنا له هو التطرف والإرهاب لنرتقي عالياً بين الأمم، أي خيبة أمل نحن نعاني منها، وأي واقع مرير، وكل ما يدور في أذهاننا، هو نظرية أعداء الإسلام وحتمية استخدام القوة لاسترجاع ما يمكن استرجاعه من كرامة ولا وجود للخطط العلمية المستدامة، ونهضة علمية صناعية اقتصادية اجتماعية تلوح في الأفق القريب ولا البعيد، حتى أصبح الوطن العربي أكبر ساحة تجميع لأرخص الصناعات في العالم والحديقة الخلفية لرمي مخلفات العالم المتقدم، ولا يجد الإنسان قوت يومه ويعمل الملايين منا في أوضاع مأساوية في أوروبا وغيرها من الدول المتقدمة في وظائف وظروف صعبة للغاية، وبراتب زهيد، ومع ذلك تجد المتطرفين يركزون على تشكيل الأسطورة السياسية حتى تنهض الأمة، وضرورة المواجهة مع الغرب في منطق متحجر. فاليوم الغرب وغداً الصين وبعدها غيرها من الأمم، وهل سنظل في صراع دائم مع من يسود ويسيطر على العالم، ونحن نلهث وراء دولة الخلافة ونهمل العمل والعلم، وكل أمر سيجعل لنا وزناً بين الحضارات. وبين اليأس والاغتراب، الذي يشعر به كثير من المسلمين، فضلاً عن أملهم في المستقبل، تشاهد مفكري الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة المختلفة يبحثون فقط عن التوصل للخطأ الذي وقع في التاريخ الإسلامي، وأدى إلى انهيار حضارة رائعة، وانكبوا بالتالي على صناعة الأسطورة الفلكلورية الدينية كالخميني أو سيد قطب وحشد الناشطين في دعم انبعاث الإسلام من جديد. ومع أن العمل يبدأ بالنفس، تجد كل جهودهم موجهة للخارج، مثل الذي يفكر في بناء بيت، فيبدأ بشراء أثاث البلكونة المطلة على البحيرة قبل وضع أساس البيت، وهو لا يملك ثمناً أو تقنيات البناء، وفي مكان لا يوجد به بحيرة في الأصل لنعرف حجم المأساة، التي تعاني منها الأمة من جراء العبث اللاعقلاني وبؤساء الإسلام السياسي، وحتى مبدأ شرف المحارب هُجر، ويتم الاختباء في الظلام وتفجير المسالمين والمعاهدين من المدنيين، وهم عزل من السلاح، وليسوا في حالة حرب، ومن يعتقد أن ذلك فعل ومنطق الأبطال، فليعد النظر في معتقداته، وهل سيصف الشخص المتشدق أي شخص يهاجم بيته، ويقتل أولاده وعائلته بأنه مجاهد وشهيد لمجرد أنهم حدث، أونهم كانوا بالصدفة قاعدين في مطعم ما، أم سيصف تلك الحادثة بالوحشية والهمجية والإرهاب لأنه هو الضحية؟