عبدالله بن بجاد العتيبي شهدت جماعة «الإخوان المسلمين» عبر تاريخها الذي يمتد لأكثر من ثمانين عاماً تنقلات في مركز الثقل الذي تتحرك منه، فكانت منذ إنشائها في عام 1928 وحتى اصطدامها مع الضباط الأحرار ومركز الثقل فيها بمصر. ثم إنه بعد اصطدام الجماعة مع العسكر والرد القوي من العسكر بحل الجماعة ومطاردة أتباعها وسجن قياداتها، لم تعد مصر هي مركز الثقل، بل انتقل مركز الثقل لأكثر من مكانٍ منها دول الخليج وبعض الدول العربية والإسلامية ومنها أوروبا والولايات المتحدة، وهي فترة امتدت من منتصف الخمسينيات إلى بداية السبعينيات. قرّر السادات أن يتصالح مع «الإخوان» ليضرب بهم القوى الشبابية الاشتراكية المناهضة له في المجتمع وفي الجامعات، وبالفعل أخرج قيادات الجماعة من السجن، وسمح لمن هم في الخارج بالعودة إلى البلاد، بعد تفاوض مع مرشد الجماعة آنذاك عمر التلمساني، وبذلك عاد مركز ثقل الجماعة إلى مصر مجدداً ولكن بعد أن كانت الجماعة قد وضعت لها مواطئ أقدام خطيرة في كل البلدان التي انتقلت إليها زمن الصدام مع العسكر. استمر مركز ثقل الجماعة في مصر طوال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ولم يجر في عهده صدام مع الجماعة بحجم الصدام السابق في عهد عبدالناصر، ولا مصالحة مريحة كما جرى في عهد السادات، بل كانت الأوضاع بين النظام والجماعة في حالة مد وجزر، وقد توصل الطرفان لتفاهمات كثيرة في أكثر من مرحلة، وعلى أكثر من مستوى كان آخرها التفاهم الذي سبق تنحي مبارك مع عمر سليمان ومع أن الجماعة ظلت محظورةً لكنّه سمح لها بالعمل الدعوي والخيري ضمن أطر معينة، وسمح لها كذلك بالعمل السياسي ودخول البرلمان، لا بحزب مستقل، بل تحت أحزاب قائمة كحزب العمل وهو الأكثر أو حزب الوفد. بعد أحداث 2011 ومع تصريحات الجماعة التي تؤكد آنذاك أنها لن تشارك في العملية السياسية، ولا تريد أي مكاسب، ولن ترشح أحداً للرئاسة، ولن تدخل البرلمان إلا في أضيق نطاق، وطردت عبدالمنعم أبو الفتوح لعدم امتثاله لقرارها، مع كل ذلك إلا أنها، لم تكن تصنع شيئاً إلا العمل الدؤوب بكل قوة وتصميم وتركيز للاستحواذ على كامل المشهد السياسي في مصر. وبالفعل نجحوا مع حلفائهم من الأصوليين، أو من المخدوعين من التيارات والأحزاب الأخرى في حصد الأغلبية البرلمانية بطرائق حشد أيديولوجية تعوّدوا عليها ووسائل لا علاقة لها بالديموقراطية، كتوزيع السكر والزيت على الطبقات الفقيرة، ثم أعادوا تجميع صفوفهم من جديد في انتخابات الرئاسة ونجح مرشحهم مرسي البديل للشاطر في الفوز بالانتخابات ضد المرشح الآخر أحمد شفيق، وهي الانتخابات التي شكك في نتائجها البعض في حينه، وبدأ يتسرب مؤخراً ما يدعم ذلك التشكيك. وبذلك دخلت الجماعة بمصر في مرحلتها الذهبية، حيث استولت على زمام السلطة في بلد المنشأ، واستقطبت رموز «الإخوان» من كل حدب وصوب، وعززت ثقل المركز في دولة المنبع كأكثر ما كان في تاريخه قوة وتأثيراً واستقطاباً. لعوامل متعددة سبق شرحها وفي 30 يونيو 2013 سقطت الجماعة سقوطاً مدوياً في مصر، ولم تسقط من سدة الحكم فحسب بل خسرت كل المتعاطفين معها من قبل بل وبعض حلفائها الأصوليين، والسقوط الأكبر كان لدى الشرائح الأكثر عدداً وتأثيراً من طبقات المجتمع المصري، وقد كانت الجماعة مبدعةً في الفشل، وقد تجاوزت قدرتها على الفشل كل ما كان يطرحه أنصارها وخصومها على السواء. لم تستوعب الجماعة الصدمة بعد وهي تعيش حالة إنكار لا يبدو أنها ستفيق منها قريباً، وكان تبنيها للعنف بكل فجاجة القشة التي قصمت ظهر البعير. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو أين سينتقل مركز ثقل الجماعة بعد كسره في مصر؟ ماهي الدول التي ستقبل بانتقال المركز إليها؟ وكيف سيتحرك أنصارها في دول أخرى؟ أحسب أن مركز الثقل «الإخواني» سيتوزع على دول عديدة في العالم بهذه الطريقة أو تلك وتعتبر تركيا «الأردوغانية» المرشح الأهم لانتقال مركز الثقل «الإخواني»، فقد أبانت حكومة أردوغان- رغم كل شعارات العلمانية التي رددتها دهراً- أنها إخوانية أصيلة وما المواقف السياسية التي اتخذتها ضد الدولة المصرية إلا إثباتٌ على هذا الجوهر «الإخواني» لقياداتها. كما سيكون لقطر إحدى الدول الخليجية نصيب مهم من ذلك المركز، وبخاصة في شق التمويل المادي والدعم الإعلامي، وكذلك سيكون للجماعة تأثير يصغر أو يكبر في الدول الغربية التي تغلغلوا فيها قديماً. في السعودية ودول الخليج كذلك ستعيد الجماعة رموزها وتنظيماتها المعلنة والسرية نشاطها من جديد، وسيحاولون دعم تركيا وقطر في هذا الاتجاه. ويرى الجميع من رموز «الإخوان» في السعودية والخليج تلهفاً لتركيا إنْ بدعمها مادياً أو معنوياً وربما إن لم يستطيعوا التصريح فسيتحركون تحت مظلة العمل الإغاثي لسوريا. وكذلك لهجاً بالثناء على قطر من هذا الجانب. ولكن هل يشكل «إخوان» السعودية والخليج خطراً؟ وإنْ كانوا كذلك، فأين تكمن تلك الخطورة؟ أما أنهم يشكلون خطورةً فبالتأكيد نعم لأسباب متعددة سبق بسطها وتوضيحها، وأما أين تكمن تلك الخطورة، ففي عدة مستويات: الأول: عدم وجود سياسة خليجية موحدة تجاههم، وبخاصة في ظلّ الانحياز الكامل لإحدى دول الخليج لهم واستقطابهم، وتقديم كافة أنواع الدعم المادي والمعنوي. الثاني: تغلغلهم في مؤسسات عدد من دول الخليج، وتسنمهم لمناصب شديدة الأهمية والحساسية. الثالث: خبرتهم الطويلة في العمل السري الموالي لأجندة الجماعة الأم والتنظيمات المحلية السرية، وبالتالي القدرة على الاستمرار والتخفي. الرابع: سيطرتهم على موارد مالية ضخمة سواء من خلال مؤسسات رسمية أو خيرية. الخامس: سيطرتهم مدة طويلة على وسائل التعليم العام، وبالتالي اعتقالهم لأجيال من المسؤولين الذين وإنْ لم ينتسبوا لهم علنياً، لكنهم تخرجوا من مدرستهم، وتم اعتقال أفكارهم وتصوراتهم. السادس: سيطرتهم على التعليم العالي لعقود نحّوا فيها خصومهم وقدّموا رموزهم. السابع: قدرتهم الخطيرة على نشر الضغائن وإثارة الإحن بين المواطنين واستغلال مطالب عامة أو أخطاء معينة لشق الصفوف. أخيراً، ما أصدق قول المتنبي: وسوى الروم خلف ظهرك رومٌ/ فعلى أي جانبيك تميل.