يعد قطع اليد عقاباً على جريمة السرقة، وهو عقاب حازم احتراماً لملكية الغير. والهدف منه الردع لشدته. فلا أحد مستعد لأن تقطع يده بسبب سرقة، وأن يُحرم من أداة الفعل المستمر بسبب فعل واحد، والحقيقة أن الحد لا يُطبق إلا إذا توافرت شروطه. وللإنسان حاجات ضرورية من عمل وطعام وسكن وتعليم وعلاج، وله حق في بيت المال، ولا ينبغي أن يكون هناك تفاوت شديد بين الأغنياء والفقراء ما قد يدفع على الحقد والحسد والغيرة. ومسؤولية الدولة رد فضول الأغنياء على الفقراء، (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ). وللسائل حق في أموال الغني غير الزكاة. فالأوضاع الحالية للمجتمع العربي والإسلامي صعبة لكثرة العاطلين والفقراء والمساكين والمعدمين والجياع والمرضى والمحتاجين والمعوزين. والسرقة الآن بالملايين من بعض رجال الأعمال، بالتهرب من الضرائب والاحتكار والعمولات والالتفاف على القوانين النافذة التي تضعها الحكومة من أجل المصلحة العامة. فكيف إذا سرق الشريف يُترك وإذا سرق الفقير يُطبق عليه الحد؟ وهناك عقوبات أخرى أيضاً، ولكن قد تكون ضد حقوق الإنسان إذا أُسرف فيها مثل السجن والتغريب. والتغريب أصبح الآن إرادياً، كل مواطن في بعض الجمهوريات العربية يريد الهجرة خارج وطنه بحثاً عن الرزق أو الأمان. أما الدية والغرامات فهما مقبولتان، فدية القتيل مقبولة شكلاً ولكن القتيل قتيل لا تعوضه الأموال، والغرامة شريعة مدنية تعويض لخسارة لحقت بالآخر. وهناك أوضاع اجتماعية قضى عليها الزمن وانتهت بفعل التاريخ مثل الرق والغنائم والسبايا. وهي ما زالت موجودة في كتب الفقه، قديماً وحديثاً. وما زال المستشرقون يثيرون حولها العديد من الشبهات حول «الرق في الإسلام»، و«السبايا في الإسلام»، و«تقسيم الغنائم في الإسلام»! فقد انتهى الرق بفعل الزمن، وألغي الرق من حياة الشعوب بعد الحرب الأهلية الأميركية في القرن التاسع عشر. ومنعت قوانين جنيف لأسرى الحرب أوضاع السبايا والغنائم. فللأسرى حقوق، رجالًا ونساء، منها الحرية كحق طبيعي أولي. والغنائم وهي عتاد الحرب ملك الدولة الغالبة، أما الممتلكات المدنية فتظل في يد أصحابها حتى لو كانوا من المحاربين. ومن الوصايا الشرعية المشهورة عدم قتل النساء والأطفال والشيوخ أو قطع الأشجار وهدم المنازل كما تفعل إسرائيل مع الفلسطينيين اليوم في الضفة والقطاع. وهناك بعض النظم القديمة أيضاً تجاوزها الزمن بفعل المساواة الأولية بين البشر مثل وصف بعض المواطنين في الدول بأنهم «أهل ذمة». فلم يعد في العصر الحديث التمييز بين المواطنين قائماً طبقاً للدين أو المذهب أو الطائفة. فالكل سواء أمام القانون. بل لقد غالى أحياناً بعض كتب الفقه القديم في التمييز إلى درجة اللباس المميز، وطريقة ركوب الدواب المميزة، والقضاء المستقل، والضرائب المختلفة، ومهما قيل في التسامح واحترام بقية الطوائف فإن بعض التأويلات قد يناقض حقوق الإنسان في زمننا هذا التي تقوم على المساواة بين المواطنين في الوظائف والحياة العامة. وقد يصعب ذلك في قانون الأحوال الشخصية، الزواج والطلاق. ومع ذلك بمرور الزمن قد يتحول إلى قانون مدني صرف، يتساوى أمامه الجميع. فالنظام الاجتماعي في بعض جوانبه يكون تاريخياً، يتطور مع التاريخ وجوداً وعدماً أو إعادة صياغة كما فعلت الشريعة الإسلامية مع الشرائع السابقة ومنها اليهودية. وهي في الأصل أيضاً تشريع من السماء. ومنها كذلك بعض التأويلات حول وضع المرأة وتشريعاتها التي قد يرى بعض المتنقدين من غير المسلمين أنها لا تتفق مع حقوق الإنسان مهما قيل في تبريرها دون الاعتراف بتاريخيتها وأنها الآن بيد المجتهدين. فقد ساوى الإسلام بين الذكر والأنثى في حق الحياة، (وإِذا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذنْبٍ قُتِلَتْ). وفي بعض الأوضاع الاجتماعية الأخرى يترك التاريخ يدفع بها لنيل حقوقها طبقاً لسنة التدريج في مجتمع عشائري ما زال يرى المرأة وكأنها عورة، حتى لو أُلقي فيها الشعر الرومانسي. فتعدد الزوجات مثلاً وتحديده بأربع بعد أن كان مطلقاً بلا حدود خطوة نحو الزوجة الواحدة خاصة لو كان العدل بينهن مستحيلاً حتى لو حرص الزوج، فالعواطف لا تقسم كمّاً. وفي حياة الرسول، صلى الله عليه وسلم، وقعت الغيرة بين الأزواج. وقد حدد بعض المجددين المحدثين بعض هذه الحالات بزيادة عدد النساء على عدد الرجال في أحد المجتمعات. فالتعدد في هذه الحالة هو أخف الضررين بدلاً من الرهبنة أو الشيوع. وقد يجوز في حالة العقم كما حدث لإبراهيم عليه السلام وزواجه بسارة ثم هاجر برضاها وموافقتها وبحثها. وقد يجوز في حالة المرض عندما تعجز الزوجة عن القيام بأعباء المنزل. وكلها تراوح بين التبرير البعدي والشرعية الأولية. وكذلك الشهادة، شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل، قد تتفق مع وضع المرأة الريفية، من وجهة نظر البعض، وليس بالضرورة في طبيعة المرأة. فالنسيان وتذكير واحدة للأخرى وارد عند المرأة والرجل على حد سواء، من وجهة نظرهم. وقد بلغت المرأة اليوم درجة من التعليم والأهلية والصدارة الاجتماعية بل والوزارة ورئاستها ورئاسة الجمهورية ما لا يستطيع أحد إنكاره. والميراث أيضاً كان الإسلام عادلاً فيه، وفي بعض الحالات تأخذ النساء أكثر من الرجال. والقوامة لا تعني، بالضرورة، السيطرة والإمرة بل تعني المسؤولية في الإنفاق والرعاية. واليوم تكون الحياة الأسرية بالمشاركة في الإنفاق وتبادل الرأي والمشورة مع الكبير والصغير. والحجاب عادة عربية لحماية الرأس من الحر ورمال الصحراء، وكان للرجاء والنساء على حد سواء بل للرجال أكثر كما هو حادث في موريتانيا ودارفور حتى الآن. والنقاب عادة مرتبطة بوضع المرأة في مجتمع الصحراء. ويثير ضجة حتى الآن في المجتمعات الإسلامية لضرورة كشف وجه المرأة للتعرف عليها لتحقيق الشخصية، وفي المجتمعات الأوروبية لأنه ينافي الزي الوطني وعادات المجتمع الجديد الذي هاجر إليه المسلمون. إن حقوق الإنسان حقوق طبيعية بلا إلزام ولا جزاء وأساسها موجود في الشرائع السماوية. وهو الحق الطبيعي. والمثلية والإجهاض والعري ليست حقوقاً طبيعية. ولا تفهم شريعة السماء فقط باعتبارها واجبات، أوامر ونواهي، بل أيضاً باعتبارها حقوقاً. فالشريعة تأخذ وتعطي. تـُلزم وتحرر. فالشريعة في أحد جوانبها الاجتهادية تاريخية. وهي ليست مناقضة لحقوق الإنسان. ولا يمحي اللبس حول ما قد يبدو لبعض غير المتدينين تناقضاً بين شرائع السماء وحقوق الإنسان إلا بنضال طويل يحول ثقافة المجتمع من التمركز حول التأويل إلى التمركز حول الواقع، حتى تتغير بنية الثقافة الموروثة المسؤولة عن هذا التناقض الظاهر بين فهم بعض النصوص وحقوق الإنسان. فهي ما زالت في بنيتها ثقافة «سي السيد». وهي في حركتها ثقافة رأسية تتحرك بين الأعلى والأدنى، وليست ثقافة أفقية تتحرك بين الأمام والخلف. ما زالت في حاجة إلى أن تصبح فيها للإنسان قيمة، والأرض أي المصلحة قاعدته الأساسية، والتجربة البشرية أي الفطرة نقطة التقاء بين السماء والأرض. إن الاجتهاد مفتوح على مصراعيه، ليست له حدود حتى ولو كان في إعادة فهم النصوص وتأويلها حتى لا يصبح النص مانعاً منه أو عقبة أمامه. ولا يُستبعد رأي، ولا يُتهم طريق، ولا يُستهجن فكر. والتفكير علناً خير من التفكير ضمناً. والصوت المعلن خير من الصوت الخافت. والنضال الديمقراطي يقوم على احترام الرأي والرأي الآخر، (وإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ).