كان مؤتمر وزراء الثقافة العربية بتونس قبل سنوات ثلاث، قد اتخذ قراراً بالطلب من الألمان أن تكون الثقافة العربية ضيف الشرف بمعرض فرانكفورت الدولي للكتاب· ومعرض فرانكفورت الدولي للكتاب هو أهم معارض الكتب في العالم· وألمانيا تحتضن هذه الفكرة منذ العام 1930، وكانت في البداية بمدينة لايبزيغ· وتوقفت في الأربعينيات مع اشتداد الحرب، لتعود إلى فرانكفورت في العام 1947، ولتصبح في الستينيات من القرن الماضي أهم المناسبات الثقافية في العالم· واستغرق الأمر عامين حتى جرى الاتصال بالألمان وحدثت الموافقة· وما جاءت الصعوبات من الجانب العربي فقط؛ بل ومن الجانب الألماني· صعوبات الجانب العربي ناجمة عن عدم جدية قرارات وزراء الثقافة على الخصوص، إذا تجاوز الأمر الساحة الداخلية· فالمعروف أن الأليكسو (والمنظمات الفرعية التابعة لها) تعاني من مشكلات هائلة، نتيجة تخاذل نصف الدول العربية عن دفع أنصبتها في موازنتها· فالقرارات عسيرة الاتخاذ، وإذا اتُخذت فهي عسيرة التنفيذ· إذ ظهر أن هناك حوالي الستة ملايين دولار ينبغي أن تُدفع، إضافة لما تنفقه كل دولة على جناحها، وما ينفقه الناشرون العرب على المساحة المخصصة لهم· وقد أعرضت في البداية ثماني دول عربية لأسباب مختلفة عن المشاركة، وصمدت في المعارضة أو الإعراض في النهاية دولتان هما المغرب والكويت· الكويت، لأنها لا تريد التعاون مع عمرو موسى، والمغرب لاعتقاده أن المعرض سيفشل، ولأنها ما شاركت في المفاوضات من البداية بحيث بدا أن السيطرة ستكون للمصريين!
أما صعوبات الجانب الألماني فأتت من أن المعرض الفرانكفورتي هو بمثابة بورصة، وليس عرضاً لملايين الكتب. فكل دار نشر كبرى تأتي للمعرض بنماذج لا تزيد على المائة كتاب من آخر ما نشرته· وفي المعرض نفسه يأتي المؤلفون والمترجمون ووكلاؤهم للتفاوض مع مسؤولي الدُور الكبيرة تلك على حقوق التأليف والترجمة والنشر الإلكتروني، فتحدث صفقات كثيرة وكبيرة على امتداد الأسبوع· وليست للناشرين العرب تلك العلاقات والاهتمامات والمصالح الدولية· فباستثناء عشرة ناشرين أو أكثر قليلاً، لا أحد مهتم بالتفاوض مثلاً على ترجمة هذا الكتاب أو ذاك من نشر هذه الدار أو تلك· كما أنه لا أحد من الأجانب مهتم بترجمة كتب عن العربية، باستثناء بعض الروايات المشهورة لنجيب محفوظ أو يوسف إدريس أو زكريا تامر أو جمال الغيطاني... وفي السنوات الأخيرة إلياس الخوري ومحمد المر وحسن داود ورشيد الضعيف وصنع الله إبراهيم وبهاء طاهر وإدوار الخراط... إلخ -بالإضافة لأشعار محمود درويش والسياب وأدونيس وأسما ء أخرى قليلة· أما الصعوبة الأخرى - وهي التي تبين في النهاية أنها هي الحل!- فتمثلت في أن ضيوف الشرف في معرض فرانكفورت الدول في العادة، وليس الثقافات أو المناطق والمجالات الثقافية· لكن الألمان سرعان ما وافقوا على الفكرة، لأنه إذا كان النشر العربي ضعيفاً لجهة اهتمامه بالعالم، واهتمام العالم به؛ فالثقافة العربية، والتي تشمل سائر النشاطات الثقافية والاجتماعية والفنية، تحل المشكلة، وتجعل من "ضيف الشرف" العربي حقيقاً بتقديم أمور متميزة تلفت الانتباه، ليس الكتاب أهمها!
حكمت الصحافة العربية، والإعلام العربي على المشاركة العربية الموعودة في معرض فرانكفورت، بالفشل· وذكرت الصحافة وذكر الإعلام غالباً سببين اثنين لذلك الفشل المؤكد: الانقسام العربي حول المشاركة، وضعف الاستثمار في الإعداد والاستعداد· وقد كان هناك انقسام حقاً، كما أن عدة دول لم تدفع أنصبتها حتى آخر لحظة رغم ضآلتها· بيد أن أحداً ما خشي أن يأتي الفشل من الجانب الأبرز: أن لا يكون لدى العرب ما يعرضونه، إذا اقتصر الأمر على المنشورات العربية، ومدى أهميتها للعالم، وللثقافة الحديثة· وما صدقت توقعات الإعلام الثقافي العربي حول عجز العرب، وعجز الجامعة، وفقر الناشر والمنشور· وكان هناك نجاح تعددت أسبابه، وكانت هناك دروس ينبغي أن تستفاد لتدارك وجوه القصور والخطأ والإهمال·
المفاجأة لم تكن في حضور المستشار الألماني غرهارد شرودر وحسب؛ بل والكلمة التي ألقاها· قال شرودر:إن الثقافة الأوروبية الحديثة قامت على الأساس الحضاري العربي والإسلامي، في العلوم البحتة والتطبيقية، وفي الإنسانيات· وإن الوحدة العربية تبدو الآن كأنما هي حلم، وهكذا كانت الوحدة الألمانية قبل ستة عشر عاماً، والوحدة الأوروبية قبل ستة وأربعين عاماً· لكن، إذا لم تكن الوحدة بين العرب واردة الآن، فينبغي بل يجب أن يكون التعاون العربي والتضامن العربي، من أجل حل المشكلات المستعصية، ومن أجل التقدم، ومن أجل التواصل مع العالم· قال لنا الرجل دون أن يصرح إن ضعفنا ليس عبئاً علينا وحسب؛ بل هو عبء على الأوروبيين وعلى الآسيويين، وعلى العالم· فالضعف هذا هو الذي يجعل الجبروت الإسرائيلي يتعملق، وهو الذي يجعل الأوحدية الأميركية مستحيلة الاحتمال، وهو الذي يجعل العنف الأعمى والانتحاري الصيغة الوحيدة للممانعة، وهي الصيغة التي تجني علينا أكثر بكثير مما ت