من المرضى من يهوى جمع الأدوية وتجربة العقاقير، فتراه موسوعة في تذكر ألوان الحبوب والعلب والحقن· فما أن يسمع بأي طبيب إلا وزاره، ولا متخصص إلا واستخلص منه تقريراً، فتراه يتنّقل بين مستوصفات الحكومة يذم غلاء الأطباء الخصوصيين، ويتردد على العيادات والمستشفيات الخاصة متذمراً من أطباء الحكومة ولا مبالاتهم، بل تراه يسافر إلى هذه الدولة وتلك، جامعاً المزيد من الأدوية والتقارير·· دون أن يشفى! نحن أيضاً نعرض أنفسنا، كشعوب، على أهل السياسة والاقتصاد، ونعقد الندوات وورش العمل، ونكلف أساتذة الجامعات والمختصين وخبراء الصناعة والزراعة بإعداد أفضل الأوراق والبحوث، ونخرج من لقاءاتنا بأشمل البيانات وأدق التوصيات، بل نرسل اللجان إلى الخارج لدراسة مختلف التجارب، ولكننا لا نزال عاجزين عن تخطي حواجز التخلف· إننا، تنموياً، لا نزال مرضى.
هذا المريض، على الأرجح، يجرب الدواء لثلاثة أيام أو أسبوع، فإن لم يشف تركه إلى دواء آخر· ومن المرضى من ينهي "الكورس الأول" من الحبوب والأدوية، فإن وجد نفسه قد تحسن اعتقد أنه قد شفي، وإنه ليس بحاجة إلى مواصلة العلاج! ونحن في تعاطينا للعلاجات التنموية نشبه في سلوكنا هؤلاء المرضى·
فنحن نبحث عن دواء يشفينا فوراً من كل عللنا خلال أقصر فترة وبأقل قدر من المعاناة ودون أي مخاطر· ولهذا قد نصدق كل الوعود، ونتقبل كل الخرافات، ونتبنى كل الشعارات مهما حذرنا الآخرون منها، ومهما رأينا من نتائج ضارة، ومهما تراكمت عبر تجاربنا من دروس مريرة· إننا دائماً نبحث عن خطة كاملة متكاملة، ومشروع حضاري ينقلنا بقدرة قادر إلى مصاف أرقى البلدان... دون أن نحرك ساكناً من "عاداتنا وتقاليدنا"·
هذا المريض يسعى مثلنا، أحياناً كثيراة، لأن يتجنب الجراحة والبتر وتبديل الشرايين· وقد يظل معانداً متخوفاً مؤجلاً أي عملية ضرورية، حتى تحاصره المضاعفات، ويشرف على الهلاك بعد أن يتمكن منه الداء العضال· هكذا نحن، أينما نظرت في حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية وغيرها، وجدت الكثير من القرارات المؤجلة، والمشاريع المجمدة، والخطط المرحلة· تحدثنا ربما منذ نكبة فلسطين عام 1948 عن التغيير ولم نباشر بأي شيء جاد في بعض الدول، إلا بعد كارثة 11 سبتمبر 2001· والنظم التي تبنت خطط الإصلاح بعد تلك النكبة، انحرفت بـ180 درجة عن مسارها السابق· انتهى عهد الفحم والبخار في البلدان المتقدمة ولم ندخل المرحلة الصناعية· ظهرت الاشتراكية وسادت الشيوعية ثم اندحرت، ولم ندخل حتى "المرحلة الرأسمالية"... أو الثورة الصناعية! قدمنا للبشرية نموذجاً فريداً من المجتمعات في دول النفط مثلاً: رؤوس أموال وفيرة دون رأسمالية أو استثمار وصناعة وتصدير... و"وجع راس"! تكدس مختلف أنواع الفواكه والحبوب والخضراوات في الأسواق والجمعيات لدينا... دون ثورة زراعية وميكنة وإزالة إقطاع!
وتداولنا في منتدياتنا أحاديث طويلة عن "بدائل النفط"، إذ لم نكتف ببديل واحد، وتجادلنا حول "الفوائض المالية" واستثمارها عام 1974، ثم امتلكنا الرعب الاقتصادي قبل أعوام قليلة عندما انخفض سعر النفط إلى أقل من عشرة دولارات، ومنينا النفس بالسير على نهج بلدان شرقي آسيا والهند والصين· ولكن لا أحد يدري ما مصير كل هذا الحماس التنموي، وكل هذه المشاريع النهضوية، إذا تواصل ارتفاع أسعار النفط، وتكدست الثروات، وتجمع المال والمدخرات... 54 دولار للبرميل!
عندما تتصفح الكتب والجرائد والمجلات والتقارير القديمة، أحياناً القديمة جداً، تجد أن العالم العربي لا يزال يئن من نفس الأوجاع ويشتكي من نفس الآلام والأمراض· التسلط السياسي، الفساد الإداري، التخلف الاقتصادي، الأمية والجهل، الأنانية وإهمال الأولويات، التعصب الديني والاجتماعي، تهميش المرأة، إلقاء اللوم على الإنجليز والغرب والأميركان وتصديق كل قصص ونظريات الخطط السرية المعادية، وهكذا.
وتجد في الكتب والمجلات والتقارير وخواتم المؤتمرات نفس الصياغات الراقية والتوصيات الحكيمة: ضرورة التخلص من...، التركيز عل...·، الاهتمام الشديد بـ...·، الابتعاد ع...·، المطالبة بـ...، التحذير من...، الانتخاب لـ·...، العمل على...، الالتفات إلى...، الدعوة إلى...، مضاعفة الجهود في...، إلخ· ولكن مطالبة الحكومات والمؤسسات بإحداث التغييرات لا تصل دائماً إلى الأفراد، وإلى العناصر المستفيدة من الأوضاع والمتحصنة ضد الإصلاح والتغيير، والقادرة على التعايش مع أقوى أنواع... المبيدات!
لا يوجد في ثقافتنا إلا نادراً، الابتداء بالنفس أو بالحي الصغير أو بالقرية أو بالمنطقة· وحتى لو فُتح باب التطوع وتمت دعوة أولياء الأمور لتشكيل مجلس لإدارة المدرسة أو سكان الحي للإشراف على الخدمات، فإن المتقدمين إن تطوعوا والتزموا·· يعدون على الأصابع·
لا يوجد في ثقافتنا قرار قاطع بالتخلي عما ثبت فشله وبطلانه بالتجربة· لقد شنت أجهزة الإعلام العربية حملة واسعة على الأنظمة الشمولية ومخاطر الدكتاتورية· ولكن أقوى تيارات وأحزاب ا