لا يشك متابع لما يشهده السودان من احتجاجات تنبئ بحدوث انتفاضة أخرى قد تغيّر وجه الحياة فيه، في أن ذلك البلد أصبح على موعد مع «خريف البشير»، وهي عبارةٌ موحيةٌ ودالةٌ استخدمها الدكتور أحمد يوسف أحمد عنواناً لمقاله الأخير، وأعجبني ما حملته تحتها من معلومات واستنتاجات تصب في الفكرة ذاتها. ولا حاجة لأحد لإبراز جوانب الإخفاق والفشل التي صاحبت تجربة الإسلاميين في حكم السودان، طوال 24 عاماً لم ينجحوا خلاله إلا في تقسيم البلاد وانفصال جنوبها وظهور انفصالات محتملة في باقي جهاتها. صحيح أن الانفصال كان رغبة دفينة لدى الجنوبيين منذ الخمسينيات، وما كان لأحد ردّه إلا باستمرار الحرب التي أرهقت السودان أزمنة طويلة، وأن قوى دولية وإقليمية أيدت الانفصال وتولته بالرعاية... لكن كان بإمكان الإسلاميين جعل خيار الوحدة مفضلاً لدى الجنوبيين، وهو ما لم يفلحوا فيه، لا هم ولا غيرهم من فصائل النخبة السودانية الأخرى، بل جعلوا قطاعاً واسعاً من المعارضة الشمالية مؤيداً لـ«الحركة الشعبية» (صاحبة الخيار الانفصالي)، وها قد ترتب على ذلك ما ترتب عليه من نتائج اقتصادية واجتماعية وخيمة، على السودان أن يدفع ثمنها غالياً، وذلك بسبب التهور الذي طبع حكم «الإنقاذ» على امتداد زمنه وليس فقط في خريفه الذي حلّ منذ وقت قبل الآن. عثمان جبريل -أبوظبي