تقدم المبعوث التركي المعمم ووضع يده على مقبض سيفه المعقوف ثم دفع بالرسالة إلى القائد النمساوي «ستارهمبرج» ففضها على عجل، ليقرأ إنذاراً مروعاً من قائد الجيش العثماني «قره مصطفى باشا»، يأمره فيها بالتسليم لأن السلطان العثماني قرر ضم النمسا لملكه، فمن امتثل حافظ على روحه وممتلكاته، ومن عصى شَطَرَه بحد السيف! كان ذلك في صيف عام 1683، وكانت العاصمة النمساوية محاصرة بجيش تركي قوامه ربع مليون جندي، وكان ذلك الحصار الثالث من نوعه الذي يخترق فيه العثمانيون وسط أوربا، فقد بدأ الحصار في 14 يوليو 1683 وانتهى بعد شهرين بهزيمة العثمانيين في 12 سبتمبر 1683. ثم حاقت بالعثمانيين هزيمة رهيبة أخرى بعد هزيمة فيينا في سهل موهاكز الذي سجل لهم قبلها بمائة وستين عاما انتصاراً هز مفاصل أوربا، حيث سقطت المجر في أيديهم بعدها. وانبنى على سلسلة الهزائم العثمانية العسكرية المتتالية عزل السلطان «محمد خان الرابع» بعد أن حكم أربعين سنة. في ذلك الحصار فر معظم الأهالي، بمن فيهم القيصر النمساوي ليوبولد الأول، لكن في النهاية أمكنه صد الهجوم وفك الحصار. وكان العنصر الرئيسي في ذلك التحول جيش بولوني قاده الملك يوحنا سويبسكي الثالث، الذي قفز لنجدة أهل فيينا، فتنفست أوربا كلها الصعداء لزوال الخطر العثماني الذي انكسرت حدته تماماً، فلم ير العثمانيون بعدها انتصارات ذات بال، بل ذاقوا هزائم على شكل كوارث وتابع المخطط العثماني التاريخي مسيرته الانحدارية، حتى أسلمت دولة آل عثمان الروح مع مطلع القرن العشرين. كان الانكسار العثماني على أبواب فيينا نقطة تحول في التاريخ الأوربي الحديث، ففي الوقت الذي بدأت فيه مسيرة التراجع العثماني، قفزت قوى جديدة إلى المقدمة، فصعدت الإمبراطورية النمساوية الهنجارية، لكن لتنهار في النهاية هي وغريمتها العثمانية مع نهاية الحرب العالمية الأولى. ذلك التحول على أبواب فيينا لم يكن في أعماقه عسكرياً فحسب، بل كان تحولا حضارياً بالكامل؛ فالعقل الأوربي كان قد بدأ مسيرته قبل ذلك، وفي الوقت الذي كان السلطان العثماني «محمد خان الرابع» يُعزل من العرش عام 1687، كان إسحاق نيوتن منهمكاً في إنتاج كتابه «الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية»، الذي ترك بصماته على الفكر الإنساني حتى هذه اللحظة، لكن من أين تنبع أهمية كتاب نيوتن في فلسفة الطبيعة؟ في الوقت الذي كان الأتراك يحاصرون فيينا والحروب الدينية تعصف بأوربا، كان نيوتن يقوم بتطوير حساب التفاضل والتكامل، ويكتشف قانون الجاذبية، وتستهويه معرفة أسرار الضوء، فأوربا التي صدّت الخطر التركي في الربع الأخير من القرن السابع عشر، كانت غير أوربا التي اقتحمها العرب من الغرب في القرن الثامن الميلادي، وغير أوربا التي اقتحمها الأتراك بعد ستة قرون من الشرق. بدأت روح جديدة تتدفق في مفاصل المجتمع الأوربي، وكان نيوتن خلية من هذا الجسد الجديد الفتي، لكنه لم يأت من فراغ ولم يتشكل فكره إلا من خلال وثبات فكرية سابقة. ففي عام 1543 حدثت زلزلة عقلية مثلثة الزوايا في فهم الكون والجسم الإنساني وجغرافية الكرة الأرضية؛ وذلك مع «كوبرنيكوس» الذي قلب التفكير الإنساني حول الكون، فأصبحت الشمس لا تدور حول الأرض، بل العكس، وتحولت الأرض إلى تابع بسيط حول الشمس، كما استطاع «فيزاليوس» القيام بأول تشريح لجسم الإنسان، وكان من المحرمات، كما تم تدشين الجغرافيا الجديدة للكرة الأرضية، فعرفت قارات جديدة وتحول بحر الظلمات إلى المحيط الأطلسي، ما دفع المؤرخ «ويل ديورانت» لتسمية ذلك العام، في كتابه «قصة الحضارة»، بعام العجائب.