جاء التقرير السنوي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية المتخصص في الأبحاث العسكرية والذي أكد تواضع نتائج الحرب على الإرهاب ، ورفض التطمينات الأميركية بعد الحرب على العراق ،ليطرح على بساط البحث مجددا الحديث عن مدى فاعلية الوسائل والأساليب التي انتهجت ومازال يتم اتباعها حتى الآن في التعامل مع هذه الظاهرة التي أصبحت محور انشغال واهتمام العالم أجمع ، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
فما أورده التقرير من حقائق مقلقة عن تنامي قوة بعض التنظيمات الإرهابية وخاصة تنظيم القاعدة الذي اكتسب مؤيدين جددا - حسب التقرير الذي يحظى بمصداقية دولية واسعة - بعد الحرب على العراق ، لا بد أن يستوقف المعنيين بالتعامل مع هذه القضية ويتطلب مراجعة بعض المواقف والالتفات إلى بعض الآراء التي تم تجاهلها لدى بدء معالجة هذا الملف الساخن ،والذي يزداد سخونة وتعقيدا مع مرور الوقت.
ومن بين أهم الآراء والنظريات التي تم تجاهلها آنذاك تلك الداعية إلى ضرورة معالجة الإرهاب من خلال التعامل الواقعي والموضوعي الفاعل مع أسبابه ومحاولة اجتثاث هذه الظاهرة من جذورها عبر القضاء على هذه الأسباب،بما يكفل تجفيف منابعها وحرمانها من وسائل العمل والقدرة على الفعل والازدهار والديمومة••ولكن القوى التي قادت حملة الحرب على الإرهاب تجاهلت تماما تلك الرؤية بحجة أنها تمثل من وجهة نظرها استسلاما لقوى الظلام واعترافا بوجود مبررات لما ارتكبته من جرائم بشعة.
ومع اعتماد القوة العسكرية كوسيلة وحيدة للمعالجة وتبني المواجهة كأسلوب أوحد ، متزامنة مع بعض الإجراءات لتجفيف منابع التمويل وما صاحب ذلك من توسيع لدائرة الاشتباه والتفتيش،فإن الحملة على الإرهاب،وان كانت قد حققت بعض النجاح الذي لا يستطيع أحد إنكاره أو التقليل من أهميته•• الا انها لم تحقق المرجو منها حتى الآن بل انها حسب تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية أسهمت في ارتفاع أعداد الإرهابيين ورفعت من إرادة تنظيماتهم.
فهل يكون مثل هذا التقرير فرصة لقادة الحرب على الإرهاب لمراجعة مسيرة الحملة وهي تدخل عامها الثالث،ومحاولة ابداء قدر من الاهتمام للبحث في أسبابه والعمل على علاجها بإرادة صلبة تتجاوز المعوقات والصعوبات والعراقيل التي يتفنن البعض في وضعها،بما يؤدي في النهاية إلى نزع الفتيل من بؤر التوتر والانفجار والمظالم والعذابات المنتشرة عبر أرجاء المعمورة وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وهي المتهم الأول ويكاد يكون الوحيد الذي يتم تحميله مسؤولية الإرهاب في العالم.
المطلوب فقط إرادة واعية ونظرة عادلة للتعامل مع هذا الملف بأساليب جديدة قد تفلح في إنجاز ما أخفق أسلوب القوة في تحقيقه.