النظام الإسرائيلي «نصف عسكري»... واستقرار المنطقة غير مرتبط بـ«التسوية»! حدود الدور الذي يلعبه الجيش الإسرائيلي في سياسة الدولة العبرية، وأصداء خطاب روحاني التصالحي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلى أي مدى ترتبط تسوية النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني باستقرار المنطقة... موضوعات نضعها تحت الضوء ضمن إطلالة سريعة على الصحافة الإسرائيلية. «نصف عسكري» في مقاله المنشور بـ"هآرتس" يوم الثلاثاء الماضي، وتحت عنوان "ليس فقط في مصر، الحكم العسكري أقرب مما نتخيل"، أشار "زيفي باريل" إلى أن الموقف الذي يقوم خلاله الجيش بتحديد حقوق الإنسان، وإدارة السياسة الخارجية، يُعد حكماً عسكرياً، إنْ لم يكن ديكتاتورية عسكرية، هذا ما أعلنه أكاديمي سويدي ضمن مؤتمر حول الحياة اليومية في الشرق الأوسط، عُقد في بلدة "لوند" جنوب السويد. الكاتب يتساءل: ماذا لو بات الجيش ممثلاً لإرادة الشعب؟ وماذا لو قادة الساسة البلاد إلى حالة يتم فيها تدمير الديمقراطية؟ أليس من مهمة الجيش الدفاع عن مواطنيه ضد انتهاكات خطيرة يرتكبها الساسة؟ الكاتب يشير إلى باحث مصري حضر المؤتمر وكان قد شارك قبل ثلاثة شهور في تظاهرات ميدان التحرير، حيث قال: الجميع يريد من مصر تدشين ديمقراطية على الطراز السويدي، لكن ما الذي كان سيفعله السويديون لو هيمن حزب ديني على شؤونهم السياسية؟ من في هذه الحالة سيدافع عن الديمقراطية؟ وتساءل الباحث المصري عما إذا كان الجيش الإسرائيلي سيتدخل لو سيطر المتطرفون من "الحريديم" على السلطة في تل أبيب؟ هذا التساؤل، قد يبدو "سيريالياً" بالنسبة للإسرائيليين، لكن "الحريديم" مجرد مثال، وبمقدورنا الحديث عن الفاشية و"اليمين" المتطرف، وعن أي تيار ينظر إلى الديمقراطية باعتبارها كابوساً. الكاتب يتساءل: هل سيتم استدعاء الجيش الإسرائيلي للتخلص من نظام سياسي خبيث؟ هل يتدخل هذا الجيش لإعادة البلاد إلى الليبرالية الديمقراطية؟ "باريل" يقول: شتان بين الديمقراطية الإسرائيلية والديمقراطية المصرية، فالجيش الإسرائيلي- حسب الكاتب لا يلغي القوانين، وليست لديه سلطة حل "الكنيست"، لكن انخراطه في عملية صنع القرار على الصعيدين الدبلوماسي والسياسي أمر يلفت الانتباه. على سبيل المثال، يأتي التعامل مع التهديد الإيراني وموقف الجيش الإسرائيلي منه، في ظل حكومات إسرائيلية سابقة، كان رئيس الموساد ورئيس أركان الجيش ومدير جهاز الأمن الداخلي "شين بيت" ووزير الدفاع، هم من منعوا رئيس الوزراء الإسرائيلي من شن هجوم ضد إيران. كما أن وزير الدفاع بمفرده لن ينجح في منع رئيس الحكومة من الإقدام على ضرب إيران. الآن قرار الهجوم الإسرائيلي على إيران مرتبط بموقف جنرالات إسرائيل، علماً بأن رئيس الموساد ورئيس الأركان، يفضلان التعامل بحذر مع المسألة وانتهاج سلك دبلوماسي يلتزم بضبط النفس، وذلك رغم أن وزير الدفاع الإسرائيلي لا يزال ممسكاً السوط في يديه. ويسترجع الكاتب حرب أكتوبر 1973 "يوم كبير"، حيث تلقت جميع الأجهزة الإسرائيلية نفس المعلومات، لكن كل جهة قيمت الموضوع بطريقة مختلفة بسبب اختلاف الانتماء السياسي. ويستغرب "باريل" من أن تقرر مجموعة محدودة سواء كانت من العسكريين أو المدنيين دخول مغامرة، بينما يصبح العامة ومعظم الناخبين خارج عملية صناع قرار مصيري مثل ضرب إيران، وهذا القرار لا يزال معلقاً. وفي الديمقراطيات الطبيعية، يجب أن يأخذ الموضوع وقتاً كافياً كي تتم مناقشته بطريقة صحيحة داخل الكنيست وعرض البيانات الخاصة بالموضوع والتصويت عليه مثلما يفعل أوباما الآن في التعامل مع الأزمة السورية. ويختم الكاتب مقاله بوصف إسرائيل بأنها "نصف ديمقراطية ولديها نظام نصف عسكري"، فالجيش يقرر متى يتم الانخراط العسكري، ومتى يتم غض الطرف عن قضية ما، وهذا أمر يشكل جوهر التناقض الإسرائيلي، فالجيش مستعد لتنفيذ أوامر الحكومة شريطة أن يحدد الجنرالات لها ما الذي ينبغي فعله. نمر في ملابس حَمَل! "نمر في ملابس حَمل"، عنوان اختاره "هاجي سيجال"، لمقاله المنشور في "يديعوت أحرونوت" يوم الأربعاء الماضي، مستنتجاً أن الاستجابة الإسرائيلية للمواقف التصالحية الإيرانية كانت سريعة ومستحقة. وحتى ولو كانت هذه المواقف تنطوي على فرصة تخلي إيران عن مغامرتها النووية، فلابد أن طهران لن تقوم بذلك. فالنمر آكل اللحوم عليه أن يتبع نظاماً غذائياً نباتياً على الأقل لمدة خمس سنوات قبل أن يتحول أو بالأحرى يصل إلى مرحلة "الحَمَلْ". من الصعب رصد سلوك إيراني من هذا النوع، ويعزي الكاتب اللهجة التصالحية الإيرانية إلى العقوبات الدولية التي باتت تشكل عبئاً على ملالي إيران الذين يحاولون رفعها من خلال الخديعة. والفصل الأول أو الخطوة الأولى جاءت مع انتخاب روحاني، حيث تم إقصاء مرشحين آخرين، والخطوة الأخيرة تمثلت في إطلاق تصريحات معتدلة موجهة للمجتمع الدولي. وربما يكون الهدف من راء تصريحات الرئيس الإيراني الجديد جعل المجتمع الدولي المتأرجح والمنهك يقرر أن الرئيس الإيراني بدأ مرحلة النزول من فوق الشجرة النووية. وعلى الرغم من أن روحاني خاطب الصحفيين قبل إلقاء خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقال لهم: إيران ملتزمة بتعهدها الخاص بعدم السعي إلى حيازة أسلحة نووية، فإن "سيجال" يرى أن هذا كذب، فحتى لو لم تنجح طهران في تطوير هذه الأسلحة، فإن لديها بلاشك طموح لحيازتها. ويرى الكاتب أن تطوير قنبلة نووية محلية الصنع، يأتي على رأس طموحات إيران منذ ثمانينيات القرن الماضي. وهي رسمياً لم تعلن ذلك صراحة، والتاريخ علّمنا أن الدول المتهورة حريصة ألا تفصح عن مخالبها قبل أن تصبح قادرة على استخدامها. وحتى هذه اللحظة، يحاول الإيرانيون خداع العالم المستنير بمبادرات تصالحية وفقاعات سلام. ومهمة إسرائيل الآن هي أن تضمن عدم ارتباك العالم أمام الخدعة الإيرانية. وبما أن إيران لديها حلم إزالة إسرائيل، فيتعين ألا نصدقها عندما تدّعي أن صناعتها النووية موجهة لأغراض مدنية فقط، فمنذ متى يهتم نظام طهران بمواطنيه؟ الاستقرار وحسم النزاع يوم الخميس الماضي، وتحت عنوان "ارتباط أوباما المضلل"، أشارت افتتاحية "جيروزاليم بوست"، إلى أن خطاب أوباما في الأمم المتحدة، يعطي انطباعاً بأنه مهتم بالنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي. الرئيس الأميركي يرى أن هذا النزاع إضافة إلى مساعي إيران لحيازة أسلحة نووية موضوعان محوريان يتعلقان بسلام واستقرار المنطقة، وكرر أوباما هذا الكلام أثناء خطابه. هو أشار إلى أن هذين الموضوعين ليسا سبباً في كل مشكلات المنطقة، لكنهما مصدران أساسيان لعدم الاستقرار، وإيجاد حل لهما سيساعد على إرساء سلام أوسع نطاقاً. أوباما ربط بين المسألتين، قائلاً: إن تحقيق اختراق فيهما سيكون له تأثير عميق وإيجابي على عموم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وحسب الصحيفة، أوباما على حق في حديثه عن إيران، فطهران التي يحكمها الملالي، والتي تسعى لامتلاك قدرات نووية، ستزعزع استقرار المنطقة، ناهيك عن انخراط النظام الإيراني بشكل مباشر، أو عبر حروب بالوكالة في نزاعات بالعراق وأفغانستان ودول الخليج العربي، كما يدرب عناصر “حماس” في قطاع غزة. وبخصوص النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، فإن أوباما أخطأ، ذلك لأن "الربيع العربي"، الذي بدء في تونس، وانتقل إلى مصر ثم سوريا، لم يؤثر على الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية. و"الربيع العربي"كان نتيجة عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية، والاتجاه نحو رفض أنظمة قديمة واستبدادية فاسدة. وترى الصحيفة، أنه لو تم تسوية النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، اليوم، فإن الحرب الأهلية في سوريا ستتواصل، وستستمر أيضاً التوترات في مصر بين "الإخوان" والعسكر، والأمر نفسه بالنسبة للعراق وباكستان وأفغانستان، حيث تتوالى العمليات الإرهابية. وحتى لو نجحت إسرائيل في إبرام اتفاق مع منظمة التحرير الفلسطينية، حول الضفة الغربية والقدس واللاجئين، فإن النزاع الإسرائيلي مع "حماس" في قطاع غزة، و"حزب الله" في جنوب لبنان وجماعات إسلامية في الأردن ومصر وسوريا سيتواصل. والسبب في ذلك- والكلام لا يزال للصحيفة - يعود إلى التطرف الإسلامي بأشكاله المتعددة، فليس النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي، أو حتى إيران، يقفان وراء الإرهاب والعنف وسفك الدماء في المنطقة، كما أن المتطرفين الإسلاميين هم الذين أداموا هذا النزاع أكثر من أية عوامل أخرى. إعداد: طه حسيب