كتبٌ صدرت ومؤتمراتٌ انعقدت، بهدف استكشاف المشاريع الظاهرة والمضمرة في فكر طه عبدالرحمن، ومحاولة استكناهها والاشتغال عليها بالبحث والدراسة. ومن ذلك الكتاب الذي نعرضه هنا، «فيلسوف في المواجهة... قراءة في فكر طه عبدالرحمن»، الصادر مؤخراً لمولفه الدكتور عبدالرحمن أرحيلة. إنه كتاب مختصر (192 صفحة) ومفيد، يلخص بين دفتيه أبرز القضايا والإشكاليات التي شغلت أحد أهم الفلاسفة المغاربة المعاصرين، صاحب الأعمال الأكاديمية الرصينة في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق على مدى مسيرته الفكرية منذ سبعينيات القرن الماضي، شارحاً معالم المشروع الفكري لـ«فقيه الفلسفة» و«فيلسوف الأخلاق» ومؤسس «الدرس المنطقي» داخل الحقل الفلسفي المغاربي المعاصر. فطه عبدالرحمن فيلسوف مجدد، يكتب بقلب العابد المتبتل في محراب العبودية لله، وبعقل المنطقي الذي يؤسس المقدمات الصارمة ليصل بقضاياه إلى نتائجها المتسقة، وبلسان العاشق للغة العربية الذي يضع الحرف في موضعه والكلمة مع أختها والجملة في سياقها... وقبل هذا وبعده فهو يكتب بعقل الفيلسوف الذي يقوم بموضعة المفاهيم في ميزان مرجعيته الفكرية وضمن النسق الكلي لأطروحات مشروعه. ويشتمل الكتاب على مقدمة ومدخل وتسعة فصول موزعة على بابين اثنين؛ «طه عبدالرحمن الظاهرة الإبداعية في عالم الفلسفة»، و«في معترك الصدام مع متفلسفة العصر». وقد اشتمل الباب الأول على العناوين التالية: ريادته في المنطق تدريساً ومنهجاً، التصدي للتبعية وكشف حقيقة الفلسفة، فيلسوف وِجْهَتُه التميّز والإبداع، فيلسوف يُبدعُ فِقهاً للفلسفة، وضع نظرية جديدة في تقويم التراث. فيما تضمن الباب الثاني أربعة فصول: تصادمه مع تاريخانية عبد الله العروي، تصادمه مع الرُّشديَّة والرُّشديّين، تصادمه مع الحداثة والحداثيين، وأخيراً؛ في معترك التصادم مع فكر طه. وكما يعتقد المؤلف، فقد ولد طه عبد الرحمن، «ابن الفقيه السِّي حميد طه، خرّيج السوربون، المتُعدد اللغات، ليُقدم أول شهادة إثبات لوجود فلسفة إسلامية عربية في معترك العصر الحديث، فلسفة تتحقق بها الكينونة الإسلامية، ويتحررُ بها الإنسان من أوهام الحداثة والعولمة، كما أنه جاء حين اشتدت أزمةُ التقليد للفكر الفلسفي في العالم الإسلامي، وتم اتخاذ ذلك مطية لترسيخ التبعية، فجلجل صوتُه في محاضراته ومقالاته، وأعلن حرباً على مُقلِّدة هذا العصر، ورفَع راية الإيمان، وسخر من أوهام متفلسفة العصر، وكانت أعماله إدانةً لكل من استلذَّ التقليد، وهانت عليه كرامته، ورهن عقله لغيره؛ فباعَ آخرته بدنياه». ووفقاً لأرحيلة فإن أعمال صاحب «اللسان والميزان أو التكوثر العقلي»، أحدثت انقلاباً منهجياً في الفكر العربي الحديث، مستثمرةً في ذلك منجزات الثورة المنطقية والألسنية المعاصرة، بإبداعه خطاباً فلسفياً أصيلا يربط المضامين الفكرية بآلياتها، لتفسير اشتغال هذه الآليات في حيويتها داخل سياقات الظواهر الفكرية. والدكتور طه عبدالرحمن صاحب مشروع فكري وفلسفي رائد، يجترح مقاربة جديدة تجمع بين «التحليل المنطقي» و«التشقق اللغوي»، مع الاتكاء على إشراقات التجربة الصوفية، في إطار العمل على تقديم مفاهيم متصلة بالتراث الإسلامي، ومستندة إلى أهم مكتسبات الفكر الغربي المعاصر في «نظريات الخطاب» و«المنطق الحجاجي» و«فلسفة الأخلاق»، ما أكسبه طريقة في التفلسف يطبعها التوجه «التداولي» و«الأخلاقي». وكما عمل طه على رد الاعتبار لعلم المنطق، وانتقد الرشدية والرشديين العرب، فقد تجرأ على إنزال الفلسفة من عليائها، حيث أخذت في مشروعه حجمها الطبيعي ولم تعد أشرف المعارف وأسماها، مفنداً دعوى كونية الفلسفة وعالميتها، كاشفاً صبغتها القومية وسياقها التاريخي الاجتماعي. ويشير المؤلف إلى إمكانية اختصار المشروع الفكري لطه عبدالرحمن في مبحثين عريضين؛ أولهما فقه الفلسفة الذي طلب فيه تحرير القول الفلسفي من التبعية والتقليد، لبلوغ الإبداع الفلسفي المنشود بإنتاج فلسفة عربية أصيلة. وثانيهما تأسيس الحداثة الإسلامية، بناءً على النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، وذلك عبر تقديم الجواب الإسلامي على إشكالات العصر. ومما ساعد طه عبد الرحمن على تأسيس مشروعه العلمي، حسب أرحيلة، كونه عارفاً بحقيقة الغرب وعارفاً أيضاً بحقيقة الإسلام. وعلى ضوء ذلك، شرع في بناء خطة منهجية تطبيقية تُمكن المتفلسف المسلم من معرفة مَن هو؛ فيُقلع عن التبعية لغيره، ويصبح مؤهلا لتحقيق أمرين: أن يأتي بما يستشكله هوَ، من واقعه وكينونته وتراثه وهويته، وأن يُبدع بما يُضاهي ما لدى غيره من أفكار ونظريات. إن الفيلسوف الحق في نظر طه هو من يطلب روح الحداثة لا مظاهرها، إذ «لا روح للحداثة خارج الإسلام»، وهو قول يجعله بحق فيلسوفاً في المواجهة. محمد ولد المنى الكتاب: فيلسوف في المواجهة... قراءة في فكر طه عبدالرحمن المؤلف: عباس أرحيلة الناشر: المركز الثقافي العربي تاريخ النشر: 2013