عندما يحين أوان النوم، تبدأ الأشباح في الخروج من خزانات الملابس. هذا شيء معروف بالنسبة للأطفال، وبالنسبة للمرضى كذلك. فالظلام، والصمت، والعزلة، يمكن أن تحول المقاعد إلى نمور في خيال الأطفال. كما يمكن أن تجعل المشكلات الصحية- حتى لو كانت بسيطة- تبدو مستعصية، ولا أمل في الشفاء منها.
فهناك أمراض مثل الحمى، والربو، والقرحة، وبعض أنواع تصلب الشرايين تتفاقم أثناء الليل، كما أن الكثير من النوبات القلبية والسكتات الدماغية تبدأ في الساعات التي تسبق الفجر، ثم تتصاعد بشكل تدريجي لتصل إلى ذروتها عقب شروق الشمس.
والعلم الخاص بدراسة الكيفية التي يتأثر بها المرض بوقت معين من اليوم يطلق عليه البيولوجيا الزمنية، أو(الكرونوبيولوجيا) "Chronobiology". و"هذا العلم لا يزال في بداياته..." كما يقول الدكتور "ريتشارد جيه. مارتين"، رئيس قسم أمراض الرئة في المركز القومي للعلاج الطبي والبحوث في مدينة "دينيفر"، بولاية كولورادو الأميركية. ويضيف الدكتور مارتين إلى ما سبق قوله: عندما يفهم الباحثون تلك العلاقة بين الوقت، وبين زيادة الإحساس بوطأة المرض بشكل دقيق... فإن ذلك سوف يؤدي إلى تحسين مؤكد في طرق العلاج وخاصة بالنسبة للأمراض التي تزداد حدتها أثناء الليل".
ويقول الأطباء إن العديد من وظائف الرئة تتغير في الليل، كما أن نوبات الربو وهو من أمراض الرئة، تحدث أثناء الليل في معظم الأحيان.
وهذه الحقيقة قد تؤثر على نتائج الفحوصات الطبية على الرئة، التي يتم إجراؤها عادة أثناء النهار، أو خلال ساعات الدوام اليومي.
ومن المعروف أن الربو من الأمراض التي تحدث نتيجة لضيق وانسداد الشعب الهوائية التي تحمل الهواء الداخل إلى الرئة، والخارج منها. وما يحدث في الواقع، هو أن تلك الشعب تضيق أثناء الليل مما يزيد من مقاومتها لحركة دخول الهواء وخروجه. وبالنسبة للأشخاص الذين لا يعانون من الربو، فإن ذلك الضيق يكون غير محسوس. أما بالنسبة للأشخاص الذين يعانون منه، فإن التقلص الليلي في الشعب الهوائية الذي يحدث- سواء كان الأشخاص نائمين أو مستيقظين- يكون كبيرا لدرجة أنه يمكن أن يتسبب في حدوث نوبة من نوبات المرض.
ويربط العلماء بين ضيق الشعب الهوائية ليلا، وبين انخفاض مستوى هرمونين من الهرمونات الرئيسية هما: "الكورتيسول" و "الإيباينفراين"، الذي يعرف أيضا باسم "الأدرينالين"، والذي يلعب دورا مهما في استرخاء الممرات الهوائية. وهذان الهرمونان يصلان إلى أعلى معدلاتها في الدم خلال اليوم، ثم تقل تلك المعدلات أثناء الليل، حتى تصل إلى أدنى مستوى ممكن في الفترة التي تلي منتصف الليل. و"الكورتيسول"، و"الإيباينفراين" هما الهرمونان المضادان للربو في الجسم الإنساني. ومن ثم فإن انخفاض مستوياتهما ليلا، هو الذي يؤدي إلى تضييق الشعب الهوائية، ويؤدي إلى تزايد صوت الأزيز الصادر عن المريض أثناء التنفس.
بالإضافة لذلك هناك هرمونات أخرى تلعب دورا في ذلك منها "الميلاتونين" و هو الهرمون الذي يحفز على النوم، والذي قد يتحول إلى هرمون مسبب لالتهاب الرئة، في الأشخاص الذين يعانون من الربو.
وهناك مواد أخرى تؤدي أيضا إلى زيادة الالتهابات منها "الهيستامين" الذي ترتفع مستوياته في الدم أثناء الليل، مما قد يؤدي إلى مفاقمة أعراض الربو.
ويقول الأطباء إنه بالنسبة للمصابين بالربو، فإن الأدوية التي يتم تعاطيها في فترة بعد الظهر، أو المساء المبكر، تتحكم عادة في المرض، بشخص أفضل من تلك التي يتم تعاطيها في الصباح الباكر. فعلى سبيل المثال فإن تعاطي عقار "بريدنيسون" خلال الفترة ما بين الثالثة مساء والخامسة مساء، يحقق أفضل تأثير ممكن في مكافحة الالتهابات. أما تعاطي العقار المضاد للربو المسمى "ثيوفيلين" فيمكن أن يحقق أفضل تأثير ممكن، إذا ما تم تعاطيه خلال الفترة الواقعة ما بين السادسة والسابعة مساء. فتعاطي تلك العقاقير بعد الظهر يعني أن تأثيرها سوف يصل إلى ذروته في الليل، عندما تكون الحاجة إليه ماسة.
وفي بعض الأحيان فإن بعض الأمراض التي تزداد شدتها بعد شروق الشمس تكون قد بدأت أصلا أثناء الليل. ويقول الباحثون أن ذلك ينطبق بشكل خاص على النوبات القلبية، التي تحدث غالبا في الساعات الأولى التي تلي استيقاظ الناس من النوم. ويقول هؤلاء الباحثون إن تلك النوبات القلبية تبدأ في الاختمار أثناء الليل، وتحديدا في الفترة الواقعة بين الرابعة والسادسة صباحا، وهي الفترة التي تقترن عادة بالارتفاع في معدل نبضات القلب والنشاط الأيضي.
والارتفاع العادي في ضغط الدم الذي يحدث عقب الاستيقاظ من النوم يفاقم من توتر القلب، وبالتالي من احتمال تعرضه للنوبات. علاوة على ذلك فإن ضيق الأوعية الدموية يزداد في الصباح الباكر وهو ما يزيد بالتالي من احتمال تكون الجلطات خصوصا في الأوعية الموصلة للقلب. ولذلك فإن غرف العناية المركزة في المستشفيات تشهد إقبالا في الساعات الأولى من الصباح أكثر من أي وقت آخر.
والعديد من الأدوية المضادة للضغط والنوبات الق