على حد تعليق أحد الصحفيين البريطانيين، فإن أهم معلم من معالم القرن الحادي والعشرين، هو أن الناخبين البريطانيين صاروا أكثر حماسا وميلا لأي ألعاب لها علاقة بالتسلية والترفيه، قياسا لاهتمامهم السياسي ومتابعتهم لشؤون الحكم. كما علق آخرون حول هوس أوروبا بوجه عام، بكل ما له علاقة بالنجومية والنجوم. ويبدو هذا الهوس مثيرا لفضول واستغراب من هم خارج سوق النجومية أو ما يمكن تسميته بالسيكولوجية الجماهيرية. لكن سواء ابتعد المرء أم اقترب، فإن لهذا الولع تأثيراته على مسألة الخصوصية وعلاقة الإعلام والصحافة بها. فمما لا شك فيه أن استغلال نجم أو نجمة ما في عمل دعائي إعلاني، أمر مربح ومدر للأموال الطائلة بالنسبة للشركات والمستثمرين. ولذا فإن أي مسعى للاعتراض عليه أو انتقاده، يواجه بحملات مقاومة عنيفة ضارية من قبل أصحاب المصلحة في استمرار هذه الممارسة.
ومع إجازة قانون حقوق الإنسان في بريطانيا في عام 1998، كانت الخصوصية قد نص عليها قانونيا باعتبارها أحد الحقوق الأساسية التي يجب أن يتمتع بها المواطنون. وتتضمن الحقوق الأساسية، حق الحياة والحق في المعاملة العادلة، علاوة على حق حرية الفكر والتعبير. وعلى رغم النص القانوني الصريح على حق الخصوصية ضمن منظومة الحقوق الأساسية هذه، إلا أنه تصعب جدا مناقشتها مناقشة جادة دون أن يدخل المرء في دوامة التعقيدات التي أحاطت بها جراء تأثر الوعي الاجتماعي العام بظاهرة النجوم والنجومية، سواء كانت نجومية الفنانين والمغنين والممثلين، أم نجومية الرياضيين في مختلف أنواع الرياضة وضروبها، وكذلك نجومية عارضات الأزياء.. إلى آخره.
فيما يتصل بعلاقة الإعلام بهذه الظاهرة، فإن القناعة العامة السائدة هي أنه يحق للإعلام والإعلاميين أن يخرقوا قاعدة مراعاة الخصوصية، وأن يقتحموا على النجوم والنجمات حياتهم الخاصة من أوسع أبوابها، ويكتبوا عنهم كل ما يعمل على الترويج لهم، وزيادة شهرتهم. بل إن هناك شبه تحالف وعقود مبرمة بين بيوتات المال والنجومية والصحافة في هذا الشأن، طالما أن الفكرة المشتركة هي أن تكتب الصحافة عن المشاهير، وتعمل على توسيع نطاق شهرتهم، والترويج لهم إعلاميا. لكن الملاحظ هنا في هذا التحالف، أن يد الصحافة هي الملوية، وأنها هي التي يذهب بها إلى قاعات المحاكم فيما لو كتبت أو نشرت معلومات لم يرق للنجوم، أو رأوا فيه مساسا بشهرتهم ونجوميتهم. فلماذا هذه العلاقة ذات البعد أو الاتجاه الواحد، كما يراد لها أن تكون؟
هنا تأتي أهمية هذا الكتاب "الخصوصية والصحافة" لمؤلفه الصحفي القانوني جوشوا روزنبيرج. وفيه يسعى المؤلف لتوضيح الصعوبات والتعقيدات المحيطة بحفظ التوازن بين حق الخصوصية وحق حرية التعبير الذي يجب كفالته للعمل الصحفي الحر الأمين. ضمن تناوله لطرفي هذه المعادلة، يرى جوشوا روزنبيرج أو يقترح الصياغة التالية: صحيح أن الخصوصية أمر جيد، ولكن الحرية الصحفية هي الأفضل. غير أن المعادلة لن تحل بهذه السهولة والبساطة لصالح حرية الصحافة على صعيد الممارسة العملية. من الأسئلة التي تثيرها الممارسة العملية مثلا: هل يجوز لعارضات الأزياء الكذب فيما يتعلق بتناولهن للمخدرات؟ ربما كانت الإجابة بالنفي. وهل يجوز التعرض لهن في حال ممارستهن لأنواع الكذب الضار والمؤذي؟ هنا ربما تكون الإجابة بنعم. هل يجوز للمصورين الصحفيين التقاط صور لهن، وهن يحاولن الاستشفاء من إدمانهن للمخدرات؟ كلا بالطبع. ليس المقصود من نماذج الأسئلة هذه، رمي جميع عارضات الأزياء بتناول المخدرات، ولا عارضات الأزياء حصرا بين مختلف أنواع النجوم والمشاهير. إنما المقصود هو كيف يمكن الخروج بمبدأ عام، أو فلنقل بتحليل عام، قابل للتعميم فيما يتصل بكيفية تعامل الصحافة مع هذه الفئة الاجتماعية، شريطة الحفاظ على خصوصيتها واحترامها، إلى جانب الحفاظ على حرية التعبير وحق الصحافة غير المنقوص في مزاولة دورها وحريتها في تناول مختلف الظواهر الاجتماعية والسياسية إلى آخره.
وربما يكون هذا النقاش هامشيا نوعا ما، حين يتعلق الأمر بالجانب الرياضي والنجوم والمشاهير الرياضيين والفنانين قياسا إلى مجالات أخرى، ربما ينظر المجتمع إليها بقدر أكبر من الجدية والاهتمام. على سبيل المثال، تعتقد غالبية المواطنين البريطانيين أن من حقها أن تعرف المفاصل الأساسية على الأقل، للحياة الخاصة لأعضاء البرلمان البريطاني، لكون هؤلاء الأخيرون يمثلون الرأي العام البريطاني، وينوبون عن كل مواطن بريطاني، خلافا لما هو الحال بالنسبة للرياضيين والفنانين بمختلف أشكال نشاطهم الفني، باعتبارهم يؤدون دور الترفيه، وهو دور أقل مما يؤديه أعضاء البرلمان والسياسيون –في وجهة نظر الكاتب-. غير أن المحامي ورئيس المجلس الصحفي السابق بلوم كوبر يرى أنه إذا كان الافتراض العام، هو أن يدس الناس أنوفهم في حياة وخصوصية كل من يقدم نفسه على أنه شخصية عامة، مغنيا كان أم موسيقيا أم رياضيا أم ممثلا أم نائبا في البرلمان أم خلافه، فإن الذي سوف يحدث ببساطة