إذا كانت وقائع وأحداث العام 2011 في العالم العربي، والتي سُميت ثورات «الربيع العربي»، قد غيَّرت الكثير من معطيات المشهد السياسي، لاسيما مع سقوط أنظمة وصعود نخب جديدة إلى السلطة، فإن ما جرى في مجمله يدفع للتأكيد على ثلاث حقائق أساسية: أولها أن مفهوم الثورة يعني التغيير الجذري للنظام الاجتماعي والاقتصادي، وثانيتها أن الديمقراطية هي تعاقد على نظام سياسي مدني، أما الثالثة والأخيرة فهي أن الثورة لا تتحصل مشروعيتها إلا متى كانت بإرادة الشعب. فهل توافرت هذه الحقائق، أو بالأحرى الشروط الوجودية، لثورات «الربيع العربي»؟ في كتابه الذي نعرضه هنا، «ثورات وخيبات... في التغيير الذي لم يكتمل»، يحاول الدكتور عبدالإله بلقزيز، الباحث وأستاذ الفلسفة المغربي، تقديم الإجابة على ذلك التساؤل، عبر قراءة مبكرة في أحداث الثورات والحركات الاحتجاجية العربية، محترماً تاريخية وقائعها، وتاركاً للقارئ فرصة الحكم والتوقع حول مآلات «الربيع العربي» وأوضاع بلدانه. يكتب المؤلف في مقدمة كتابه: «من المبكر جداً الحكم على ما جرى من تحولات عربية في سياق ما بات يُعرف بالثورات والانتفاضات العربية، لأن تداعياتها لا تزال ممتدة ومتفاعلة، وتأثيراتها متنقلة، وقواها الاجتماعية في حالة سيولة، وبيئاتها الحاضنة متعددة المصادر وليست داخلية حصراً، وملامح السلطة القادمة والناشئة لم تتبين على نحو كافٍ من الوضوح، والتباسات الصلة بين التغيير وبين رعاة خارجيين تلقي بظلالها على المشهد كله». ثم يذكر أن الخطاب الاحتفالي بالثورة كان مبرراً في شهريها الأولين، حين سقط نظاما بن علي ومبارك في لحظة زمنية قياسية، ومن دون أكلاف دموية فادحة، لكن لحظة التساؤل أزفت بعد أن صار الثمن غالياً، وبعد أن بدأ الجميع يستشعر أن الثورة تسربت من بين أصابع صناعها حين أسفرت صناديق الانتخابات عن حقائق سياسية أخرى. وعلى امتداد تسعة وخمسين مقالا تضمنها الكتاب، يقدم بلقزيز جولة في العالم العربي، قارئاً ومستطلعاً وناقداً... فمن تونس، بلد الحراك الأول، انطلق الكاتب في رحلته معتبراً أن التاريخ يبدأ منها، ثم يعرّج على مصر واصفاً ليلة رحيل «مبارك» ومحذراً من الأخطار التي تهدد الحراك الشعبي، مثمّناً موقف الجيش والصورة الجديدة التي تقدمها المؤسسة العسكرية عن نفسها حيث وقفت موقف الحياد الإيجابي في لحظة المعركة الفاصلة بين الشعب والنظام، إذ حفظت الأمن والنظام اللذين احترمهما المتظاهرون. وفيما يخص «جماهيرية الجنون»، يشدد على أن الثورة في ليبيا كانت ضرورية بقدر ما كان التدخل الأجنبي مرفوضاً. ثم يتوقف أمام حالة اليمن، مشدداً على أهمية الإصلاح ومتوجساً من بعض التناقضات البنيوية هناك. أما الانتفاضة السورية فيمنحها حيزاً واسعاً من كتابه، حيث يقف في الوسط بين النظام والمعارضة، مغلباً لغة الدعوة إلى «التسوية السياسية التي لا مهرب منها». وفي استنتاج مبكر من تطورات الأحداث ومآلاتها، يؤكد بلقزيز أن الثورة ليست هدم نظام سياسي قائم، بل هي حركة تراكمية إلى الأمام. فلا تكون ثورة إلا متى خطت بالمجتمع نحو نظام سياسي واجتماعي واقتصادي أكثر تقدماً من سابقه، وإلا كانت ارتكاسة إلى الوراء وثورة مضادة. أما بالنسبة للديمقراطية فهي ليست محض انتخابات، وأغلبية وأقلية، وتوازن سلطات، بل هي أيضاً توافق على مشتركات وطنية، لاسيما خلال مراحل البناء الديمقراطي الأولى عقب ثورة شعبية على نظام مستبد، وفي مجتمع تسوده الانقسامات السياسية والثقافية، كالمجتمع العربي الذي يعاني نقصاً فادحاً في التجانس والإندماج. ومن ذلك يثبت الكاتب أن تغييب الحاجة إلى التوافق، لا يتولّد معه نظام ديمقراطي، لأن لعبة الأغلبية والأقلية لا تستقيم في مجتمع يفتقر إلى عقد اجتماعي يحكمه. بل من شأن هذه الداروينية السياسية أن تفضي إلى التسلط واحتكار السلطة باسم «الشرعية الديمقراطية» وآلية الاقتراع! وعموماً، فإن مقالات الكتاب تبدو بمثابة هواجس حيال الثورات العربية، هواجس صدّقتها الأحداث اللاحقة، في مصر وتونس وسوريا وليبيا واليمن. ورغم أنها مقالات كانت ابنة لحظتها... فإن بلقزيز أرادها كذلك مندرجة حسب تاريخ كتابتها المثبت في نهاية كل منها، قاصداً أن يترك للقارئ فرصة الحكم على تاريخية وعيه، في احتفاليته، وحزنه، في أمله وخيبته... وهي وجوه متباينة من الوعي كانت لهذه المقالات، كما أوضح محمد الحبيب طالب، الذي كتب تقديماً ودياً للكتاب. محمد ولد المنى ------- الكتاب: ثورات وخيبات... في التغيير الذي لم يكتمل المؤلف: عبد الإله بلقزيز الناشر: منتدى المعارف تاريخ النشر: 2012