انحصرت تصريحات مسؤولي السياسة الخارجية الأميركية، قبل اندلاع النقاش الجاري حالياً بشأن عملية عسكرية محتملة في سوريا، في دعوات «لاستعادة الثورة في بلدان الشرق الأوسط» وحمايتها مما يوصف بالثورات المضادة التي تهدد الديمقراطيات الوليدة. والأمر بالطبع لا يقتصر على بلد دون غيره، كأن نتصور مثلًا أن الحديث متعلق بمصر، بل هو عام يشمل كل الثوريين في المنطقة العربية ومن يناوئهم، بل تمتد الدعوة لتشمل أيضاً الأقليات من مسيحيين وتيارات فكرية كمالية تركية، وحتى المصريين البسطاء الذين يتعاركون في الشارع دفاعاً عن السيسي، أو مرسي. المهم ما تكشفه دعوة «حماية الثورات» من قناعة راسخة، وواهمة في نفس الوقت، لدى بعض الدوائر الغربية في القدرة على التأثير وصياغة الأحداث، وهو ما يفسر الدعوات للتدخل في الشرق الأوسط واستعادة روح الثورات التي يبدو أنها باتت في مهب الريح، ما يستدعي تدخلًا غربياً لإعادة الأمور إلى نصابها! ولكن السؤال الذي يتعين طرحه هو: منذ متى كانت المنطقة خاضعة أصلًا لتحكم الولايات المتحدة؟ وما مدى التأثير الفعلي لأميركا على التطورات الجارية؟ عدا دعمها السابق للأنظمة السلطوية التي أثبتت تجربة «الربيع العربي» أنها كانت فاشلة؟ فليس هناك من قوة خارجية تحاط بقدر كبير من النقد واللامبالاة أكثر من الولايات المتحدة بسبب المحاولات السابقة للتدخل في حياة شعوب الشرق الأوسط، والسعي إلى إعادة صياغتها بما يتوافق في النهاية مع المصالح الأميركية. ولعل المكالمات السبع عشرة التي أجراها وزير الدفاع، تشاك هاجل، مع العسكريين المصريين قبيل تحركهم لعزل مرسي، ورفض الفريق السيسي الرد على مكالمة أوباما في 14 أغسطس خلال أعمال العنف التي اندلعت في شوارع القاهرة، تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك حدود الاحترام الذي تتمتع به الولايات المتحدة في الشرق الأوسط! أما فيما يتعلق بالسؤال عن أهمية أميركا في العالم واستمرار حاجته إليها، فقد أجاب عنه أحد كبار المعلقين والمحللين السياسيين في مقاله بصحيفة «نيويورك تايمز»، ناصحاًً الولايات المتحدة بضرورة «دعم التوجهات الليبرالية في العالم العربي، وتحديداً في مصر، من خلال مساعدة البلدان على بناء مؤسسات فاعلة للدولة والتركيز على إقامتها أولًا قبل الحديث عن الديمقراطية التي يمكنها الانتظار». فهل هذه هي النصيحة التي كانت تنتظرها شعوب المنطقة في تونس ومصر وليبيا واليمن التي ذاقت مرارة بعض الأنظمة السلطوية التي دعمتها أميركا وثارت الشعوب ضدها؟ ولو أن الدولة الليبرالية تأسست بالفعل في الشرق الأوسط، كما يتمنى المعلق السياسي، حينها يمكن لأوباما التفرغ للعب الجولف وإغلاق سفارات بلاده في معظم بلدان المنطقة مخافة ردود انتقامية من شعوب كانت تمني النفس بالديمقراطية فأدارت لها أميركا ظهرها. ولكن ما البديل لكل ذلك؟ باعتباري معارضاً لما يجري ومنتقداً لسياسات أميركا لابد من طرح الخيار البديل، وفي هذا الصدد أقترح أمراً سيتعامل معه المسؤولون بقدر كبير من السخرية والاستهزاء، حيث أنصح الولايات المتحدة بالعودة إلى الملف الفلسطيني الإسرائيلي لترينا قدرتها الفعلية على إحداث التغيير، بدل حشر أنفها في شؤون شعوب المنطقة. وفي هذا الصدد يمكن لأوباما ووزير خارجيته الضغط على نتنياهو بأن تقبل إسرائيل، ضمن مهلة زمنية محددة وواضحة، تطبيق حل الدولتين، وليس مجرد التلفظ بالقبول، والتوصل إلى تسوية يرضى عنها الفلسطينيون، ولاسيما أن هذا الاتفاق بات واضح الملامح بعد سنوات من التفاوض والنقاش، وصار معروفاً للطرفين ومعلومة شروط إنجاحه التي تتمثل في اقتسام الأرض بين الشعبين مع بعض التعديلات الطفيفة على حدود عام 1967 وجعل القدس عاصمة مشتركة للدولتين. مع اعتراف الفلسطينيين في المقابل بيهودية إسرائيل وعودة رمزية للاجئين الفلسطينيين. وما لم يلتزم نتنياهو وناخبوه بتطبيق هذه الخطة ضمن جدول زمني محدد يستطيع البيت الأبيض التلويح بدعم توجه الفلسطينيين نحو مقاضاة إسرائيل أمام محكمة الجنايات الدولية لاستيطانها أراضي واقعة تحت حكمها العسكري وتغيير معالمها وانتهاك القانون الدولي بما يصل إلى ارتكاب جرائم حرب. وبالتوازي مع ذلك تمتنع أميركا عن استخدام حق «الفيتو» لصالح إسرائيل في مجلس الأمن، ولو حدث هذا سيتغير الوضع السياسي جذرياً في الشرق الأوسط، وسيُذهل العرب الذين لم يتعودوا رؤية مثل هذا التدخل الأميركي المحايد. وحينها فقط يمكن الحديث عن ترك المنطقة لتدبر مشاكلها سواء كانت الحرب الأهلية المشتعلة في سوريا، أو الصراع الطائفي في العراق بين السنة والشيعة، أو الاضطرابات السياسية في مصر، فمن يستطيع حل تلك المشاكل والمؤهل للتعامل معها ليس أميركا، بل العرب أنفسهم. وبالطبع من شأن هذا المقترح إغضاب الحريصين على العلاقات الإسرائيلية الأميركية، ولاسيما أن نتنياهو بموجب هذا الاقتراح سيُعامل بنفس الطريقة المهينة التي اعتاد أن يخص بها القادة الأميركيين، ولكنه في النهاية سيصب في مصلحة إسرائيل على المدى البعيد ومعها المصالح القومية الأميركية. وبالتوازي مع حل القضية الفلسطينية ستضمن أميركا لنفسها، بعدما سحبت قواتها من العراق واستعدادها لسحبها أيضاً من أفغانستان، قدراً من الأمن الداخلي يتيح لها إنهاء الحرب على الإرهاب ويغنيها عن أساليب المراقبة وجمع المعلومات التي تقوم بها حالياً وتذكرنا بأساليب الاتحاد السوفييتي السابق. -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون ميديا سيرفس»