سُرّب الأسبوع الماضي ملخص مسودة التقرير الجديد للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التي يعتبرها كثير من الخبراء مرجعاً للعالم في هذا المجال. ويصف الملخص الثقة المتزايدة للهيئة بأن تغير المناخ حقيقة، وإن سببه فعل بشري، وإنه إذا واصل العالم المضي في مساره الحالي فسيواجه خسائر وتهديدات خطيرة للغاية (بما في ذلك ارتفاع كبير في مستويات البحار بحلول نهاية القرن). ورغم أن مسودة التقرير تصرح بهذه النتائج باقتناع غير مسبوق، فهذا يتسق إلى حد كبير مع تقديرات الهيئة قبل عقدين مما يثير سؤالاً بارزاً: لماذا لا تفعل الكثير من الدول (ومنها الصين والولايات المتحدة، وهي من أبرز الدول المنتجة للغازات المسببة للاحتباس الحراري) المزيد للتصدي لهذا الأمر؟ والإجابات على السؤال كثيرة، فالمتشككون يقولون إن الهيئة متحيزة ومخطئة، والشركات التي تتعرض مصالحها الاقتصادية للخطر مازالت تتصدى لإجراءات التحكم التنظيمية، ويعتقد بعض زعماء العالم أنهم إذا تصرفوا من جانب واحد لتقليل الانبعاثات، فسيكبدون مواطنيهم كلفة كبيرة دون الحد بدرجة كبيرة من التغير المناخي، وخاصة في فترة اقتصادية صعبة، فإنهم يعتقدون أن من غير المجدي التصرف من تلقاء أنفسهم. فالتحدي الحقيقي يكمن في التوصل إلى اتفاق دولي. وليس من السهل التوصل إلى إجماع على توقيت وكلفة تقليص تغير المناخ لأن الدول النامية بخاصة ومنها الصين تصر على أن الدول المتقدمة (ومنها الولايات المتحدة) ملزمة بأن تتخذ أكثر الخطوات كلفة لتقليل الانبعاثات. ويلعب هذا الجدل دوراً محورياً، لكن يجب علينا ألا نغفل العوامل النفسية الخالصة. ففهم ما يخافه، وما لا يخافه البشر يساعد في تفسير سبب إصرار الدول على عدم تقليل الانبعاثات بشكل كبير. أولاً، يميل الناس إلى تقييم المخاطر بحسب ما هو متوافر لديهم من أمثلة ملموسة، فالعمل الإرهابي، على سبيل المثال، قد يكون متوافراً وواضحاً مما يدفع الناس للخوف من احتمال وقوعه ثانية. لذا توافر جريمة أو حادث يمكن أن يحفز الاهتمام، ويعزز كثيراً تقييم الناس للخطر. لكن من الصعب ربط تغير المناخ بأي مأساة أو كارثة معينة، رغم أن كثيراً من العلماء يعتقدون أن تغير المناخ يجعل حدوث الظواهر المناخية المتطرفة، مثل الإعصار ساندي، أكثر ترجيحا إلى حد كبير. لكن يظل من الصعب إثبات أن تغير المناخ "تسبب" في حادثة بعينها، ولهذا فتوجهات المنظمة تميل إلى أن تكون تكهنية على أفضل الأحوال في عقول الناس. ثانياً، يميل الناس إلى التركيز بشكل خاص على المخاطر التي يكون فيها فاعل واضح يستثير غضبهم. فدرجات الحرارة المرتفعة ليست من فعل شخص بعينه أو جماعة بعينها، لكنه تفاعل بين الطبيعة وقرارات لا تحصى من أشخاص لا حصر لهم. فليس هناك شياطين واضحون- ولا يوجد أفراد يقصدون التسبب في أضرار لها علاقة بتغير المناخ. وبالنسبة للإرهاب، ففكرة "نحن وهم" تلائم الحقائق. وفي سياق تغير المناخ، فالأشخاص الذين يمثلون الحل قد يكونون هم المشكلة أيضاً، وفي هذه الحالة يصعب تغذية الغضب الشعبي. ثالثاً، فالبشر أكثر اهتماما بالتهديدات التي على الأبواب من تلك التي تحدث على مدى طويل، ويؤكد علماء السلوك على أن الناس في حياتهم الخاصة أحيانا يظهرون درجة ما من قصر النظر. فقد يتجاهلون المستقبل وينظرون إليه باعتباره بلداً أجنبياً قد لا يزورنه أبداً. ولهذا قد يتقاعسون عن التوفير للتقاعد أو يقدمون على مجازفات (مثل التدخين أو الأكل غير الصحي) مما قد يضر بهم في المستقبل. وفي سياق سياسي، قد يطالب مواطنون بالحماية ضد مخاطر تهددهم اليوم أو غداً أو الشهر المقبل، لكن إذا نظروا إلى تغير المناخ باعتباره تهديداً لأجيال المستقبل على الأغلب -إذا كان ارتفاع مستويات البحار بشكل كبير مازال يبعد عقود- فمن غير المحتمل أن يكون هناك إحساس بالحاجة الملحة. ويفتقر تغير المناخ إلى الكثير من الصفات التي تحفز الاهتمام الشعبي بالمخاطر. فهو تدريجي وليس مفاجئاً. وفكرة ارتفاع درجات الحرارة لا تتمخض عن غضب أو اشمئزاز. وربما يكون تآكل طبقة الأوزون أكثر المخاوف البيئية قرباً للأذهان، وكان من السهل حشد اهتمام الجمهور بهذه المشكلة بسبب المخاوف من زيادة كبيرة في سرطان الجلد. وفي ضوء هذا، يجب ألا يكون من المستغرب إن الناس لن يلتفتوا كثيراً للتقرير المقبل للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ. فكل العقبات كؤود– من الشك في العلم إلى المصالح الاقتصادية الذاتية إلى صعوبات التوصل إلى نهج فاعل اقتصاديا واتفاق دولي- لكن ليس من المرجح أن يحقق العالم الكثير من التقدم فيما يتعلق بتغير المناخ قبل معالجة العقبات النفسية عند الإنسان مباشرة. ------- كاس آر. سنشتاين أستاذ القانون بجامعة «روبرت والمسلي» الأميركية ------- ينشر بترتب مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»