نتذكر أنه عندما ظهر الفاكس كوسيلة يتحكم فيها الفرد دون رقابة حكومية هلعت بعض الحكومات وفكرت في حجب الفاكس اعتقاداً منها أن ذلك هو الوسيلة الأنجع لحجب تناقل المعلومة بين الناس، إلا أن الفاكس تطور بسرعة رهيبة ولم تستطع الحكومات حجبه. وبالمثل نشاهد اليوم تطوراً في شبكات التواصل الاجتماعي أو ما يسمى الإعلام الاجتماعي والشبكي عبر الإنترنت عموماً، وهذا الإعلام ترجع جذوره إلى عقد الستينيات من القرن المنصرم حيث كان استخدامه ينحصر في بعض دوائر الاستخبارات الغربية، وتطور خلال 30 سنة ليصل إلى ما وصلنا إليه اليوم من مواقع إلكترونية تحاصرنا من كل جانب في حياتنا. وعندما خرج علينا الهاتف الجوال الذكي صعق بعض الناس من هول الحرية التي أتيحت لهم دون رقابة، وفي نفس الوقت كانت خدمة بعض أنواعه خدمة استخبارية كبيرة تحصر كل مستخدميه عبر شبكتها، ومن ثم تطور الأمر إلى «آيفون» وأتيح لنا مزيد من الخدمات الإنترنتية دون رقابة حكومية، إلا أن بعض الحكومات وكعادتها لا تريد تناقل المعلومة بحرية، وتسعى دائماً إلى ضبطها وهي تعتقد أن تحكمها في وسائل التواصل يتيح لها فرصة تسويق أفكارها وسياساتها. وكما قاومت بعض الحكومات خدمة «الفاكس» نجد أنها تقاوم كل ما هو جديد قد يتيح للإنسان حرية تداول المعلومة لكونها لا تسطيع أن تفهم أن المعلومات لم تعد مقيدة بحدود، وانتشارها واختراقها للحدود لا يمكن السيطرة عليهما. وهنالك دول كثيرة تسعى إلى فرض سيطرتها على حرية انتقال المعلومة، وهي ليست بدول عربية أو دول متخلفة أو نامية وإنما حتى الدول التي صنعت هذه الشبكات تريد السيطرة عليها خوفاً من انتقال المعلومة بين مجموعات معادية لمصالحها، وهكذا تصبح الدول المنادية بضبط حرية التواصل على دراية بأن الدول المصنعة تشاركها هي أيضاً الهم في الحد من نقل المعلومات. وبكل تأكيد تتباين مواقف الدول بتباين دواعي قلقها وهواجسها الأمنية، إلا أنها تلتقي على فكرة الضبط، وهو ما يبدو أنه هو محور الصراع الكبير الذي حمله إلينا جسر المعلومات. فهذا الجسر الذي كسر الحدود الجغرافية، وقلل من قوة الدول القـُطرية، صار يتحكم في حياتنا الاجتماعية، ولا نعتقد أن الحكومات ستنجح في حربها مع شبكة المعلومات. ويرى بعض الباحثين في مجال التواصل الاجتماعي أن على الحكومات أن تغير قناعاتها، وتدرك أنها لا تملك قوة الحجب، وعليها تطوير نفسها عبر وسائل عقلانية في تسويق سياساتها وأفكارها. كما أن عليها أن تعمل على كسب ثقة مواطنيها، لكون هذه الثقة عبر التاريخ تحتاج إلى ترسيخ فكل ما تنتجه وسائلها الإعلامية قد لا يجد القبول، ولا يحمل الجاذبية لمتلقيه، ومن ثم فإن تغير عقل الإدارة الحكومية هو المطلوب في مواجهة تطور وسائل التواصل الاجتماعي. كثير من الزعماء أصبحت لهم مواقعهم الإلكترونية وهم يحرصون على التواصل مع جمهورهم، ويسعون لتوضيح أفكارهم، وهذا ما يؤكد أن هذه المواقع الإلكترونية أضحت حقيقة يتعامل معها الجميع. إلا أن الشواهد تؤكد أن الجمهور لا يقبل عادة على صفحات الساسة لكونها لا تشبع الباحث عن المعلومة، فيما يجد الإنسان ذاته في صفحته أو موقعه، وهذا مما يعزز فكرة قبول أدوات التواصل باعتبارها حقيقة لا يمكن مقاومتها. والحقيقة التي يتعين علينا أن نضعها في حسباننا هي أن العالم قد تغير، ومهما فعلت السلطة في الحد من وسائل التواصل فهي لن تنجح في عالم تشابك فيه كل شيء وأضحى الوصول إلى المعلومة متفلتاً من أية سيطرة أو رقابة.