تعد سفينة الدهو الشراعية أقدم مركب بحري للتبادل التجاري والتفاعل الثقافي في غرب المحيط الهندي، وهي معروفة بشراعها مثلث الشكل، وإن مرت بعدة تعديلات؛ من السفن المخيطة المذكورة ضمن «كشاف البحر» في القرن الأول الميلادي، إلى سفن «البغلة» ذات العوارض المربعة في القرن السادس عشر. وقد حافظت سفينة الدهو على بقائها حتى ستينيات القرن الماضي، قبل أن تتوارى بفعل ثورة زنجبار عام 1964، وأهم من ذلك بفعل اكتشاف النفط في الخليج العربي... لكن بعد أن تركت بصمة راسخة على ثقافات شعوب المحيط الهندي. وفي الكتاب الذي نعرضه هنا، يؤكد مؤلفه الباحث الزنجباري عبدالشريف، على التأثيرات الراسخة التي تركتها قوارب الدهو بين ضفاف المحيط الهندي، ليس في الجوانب التجارية والاقتصادية فحسب، وإنما فيما يخص الآثار الاجتماعية والثقافية التي شكلت الوجه الحالي للمنطقة. فقد نسج ملاحو الدهو وركابه على مر القرون وشائج اجتماعية وثقافية بين أماكن انطلاقهم والأماكن التي كانوا يرسون عليها انتظاراً لمواسم الرياح التي تُقلهم في ذهابهم وقفولهم، فشكّل ذلك الحراك الدؤوب بين موانئ المدن المترامية على المحيط الهندي، ملامحَ الثقافة العالمية لهذا المحيط. ولئن كان للعرب نصيب وافر من الجهد المؤسس لهذه الثقافة، فإن باقي أمم المحيط الهندي أسهمت هي أيضاً في تلك الثقافة. لم يكن الدهو مجرد قارب شراعي خشبي، يحمل على متنه طاقماً منوَّعاً من البحارة والعبيد والمسافرين إلى شتى الأصقاع، والبضائع المتنوعة؛ كالتمور العربية، والأسماك المجففة، والأخشاب الهندية والأفريقية، والحبوب الزراعية، والبضائع القطنية الهندية، والتوابل الإندونيسية، والخزف الصيني، والعاج الأفريقي... بل كان كذلك وسيلة حية للتفاعل بين شعوب المحيط الهندي. كما لم تكن البضائع المتبادلة مجرد سلع جامدة، بل حاجات ذات أبعاد ودلالات اجتماعية نقلتها معها من ثقافاتها الأصلية إلى ثقافات المصب الجديدة. وكما يوضح المؤلف فإن شبكة العلاقات التي نسجتها ثقافة الدهو، حافظت على جذور راسخة بين جنبات المحيط؛ جذور لم تستطع خمسة قرون من الوجود الأوروبي إزالتها؛ حيث ظلت الموانئ في غرب المحيط الهندي تعج بمراكب الدهو حتى ستينيات القرن العشرين، حينما شكل اكتشاف النفط في الخليج العربي نقطة تحول بارزة في طبيعة الاقتصاد القديم، وما اتصل به من تفاعلات ثقافية واجتماعية واقتصادية. كان المحيط الهندي منطقة تنوع ثقافي تحيطها أربع حضارات مختلفة: عربية إيرانية، هندية، صينية، وإندونيسية، وعبر الطرق البرية والبحرية بينها تدفقت البضائع كما تدفقت الأفكار. وقد لعب الإسلام الدور الأكبر في تفاعلات المحيط الهندي، والذي كان يوصف في بعض الكتابات بـ«البحيرة الإسلامية». ووفقاً للكتاب، فقد لعب الباعة المتجولون عبر الدول المترامية على جنبات المحيط الهندي أدواراً سياسية مهمة؛ كما كان لهم أثر قوي في التكامل الاقتصادي والاجتماعي. فقبل دخول الأوربيين إلى المنطقة، كان يُسجل في كل رحلة موسمية وصول مئات قوارب الدهو المليئة بالبشر والبضائع إلى زنجبار في الشرق الأفريقي، لكن أكثر من نصف المسافرين ما كانوا يعودون أدراجهم إلى بلد المنشأ؛ ما يعني أن آلاف البشر كانوا يذوبون تدريجياً في المجتمعات الجديدة؛ ومن ثم تكون المحصلة آلاف عمليات التفاعل الاجتماعي والثقافي، والتي يُعَدُّ المؤلفُ نفسُه نتاجاً لإحداها. وإذ يصعب الحديث عن الأنشطة الملاحية في المحيط الهندي دون التطرق إلى موضوع القرصنة، نجد المؤلف يشير إلى مرحلتين في «دورة القرصنة»؛ الأولى كانت تتم بواسطة جماعات صغيرة وبدافع اليأس الاقتصادي، والثانية حين يقودهم النجاح إلى حيازة سفن أكبر حجماً فيعتمدون تنظيماً أفضل لتنسيق نشاطاتهم. وقد أدى ذلك إلى قيام قواعد سلطوية جديدة لعمليات القرصنة؛ حيث صار القراصنة يتحالفون مع دولة رسمية ليكونوا بمنزلة سلاح بحري مؤلف من المرتزقة لحماية تلك الدولة وتجارتها والسطو على تجارة منافسيها. وهذا ما جعل الكثير من كبار التجار يبحرون ومعهم جماعات مسلحة، غالباً ما كان أفرادها من الأفارقة لتأمين الحماية. ومن هنا، فأي قراءة لتاريخ المدن والدول المتشاطئة على المحيط الهندي لابد أن يكون البحر نقطة انطلاقها؛ كونه لعب على مر القرون دوراً فعالا في اقتصاد هذه الشعوب الساحلية وحياتها وثقافتها. وكان قارب الدهو بالطبع هو الوسيلة الأساسية لتسهيل ذلك التبادل. وقد أدت هذه التحركات المتنوعة للتجار والمهاجرين، على مر القرون، إلى تطوير الحياة في مختلف المدن والدول، وإلى تنويع الحاجات؛ وإلى مزيد من الطلب على اليد العاملة تلبية لمتطلبات التمدن وتوسُّع الحياة عموماً. ومن هنا برزت تجارة الرقيق التي ارتبطت نوعاً ما بالدهو. ولم تقتصر آثار ذلك التواصل على حواف المحيط الهندي، يقول المؤلف، من سواحل المنطقة السواحلية إلى الأرخبيل الإندونيسي، بل شملت تطوير روابط مهمة مع عالم البحر الأبيض المتوسط ??في أقصى الغرب والإمبراطورية الصينية في الشرق الأقصى. كان عالم المحيط الهندي فضاءً حراً لا تحتكره قوة عظمى بمفردها، بل كان مزيجاً من المجتمعات البحرية التجارية كالعرب والإيرانيين والغوجاراتيين... شعوب كثيرة من معتقدات شتى تقطن الشواطئ المترامية على جنبات المحيط الهندي. وقد وفرت شبكة الملاحة والتجارة الواسعة نطاقاً كان يتحرك فيه بسهولة كبيرة العلماء المسلمون والمتصوفة والرهبان البوذيون... حيث كان كلٌّ يدعو إلى معتقده بالإقناع الذاتي، وهو ما لم يكن ممكناً إلا في بيئة يسودها التسامح الديني، وهو أحد الملامح البارزة لثقافة الدهو. محمد ولد المنى -------- الكتاب: ثقافة الدهو في المحيط الهندي المؤلف: عبد الشريف الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2013