في صباح يوم الاثنين الماضي، غادر فريق الأمم المتحدة للتفتيش على الأسلحة الكيماوية فندق فورسيزونز في وسط دمشق، ليتجه إلى الموقع الذي يعتقد أنه شهد أسوأ هجوم بالأسلحة الكيماوية. وكان يقود الفريق آكى سلستروم، العالم السويدي الذي وجد نفسه قد خرج من غرفته الدراسية في جامعة أوميو إلى وسط أبشع صراع على الأرض. لكن عندما اقترب سلستروم وفريقه من الموقع أطلق قناصة النار على موكبهم مما اضطرهم للعودة بعد فترة قصيرة. وألقى نظام الأسد باللائمة في إطلاق النار على مقاتلي المعارضة في المنطقة، بينما اتهمت المعارضة السورية مسلحين موالين للنظام. وجاء سلستروم إلى دمشق وهو يحمل ثلاثة عقود من الخبرة في إجراء أبحاث في تأثير غازات الأعصاب على المخ البشري، وقد عمل سابقاً في مناصب رفيعة أثناء جهود الأمم المتحدة للتفتيش عن الأسلحة في العراق. لكن إطلاق النار منع الفريق من تفتيش بضعة مواقع محورية وجعله يقلص جولته التي كان من المزمع أن تستغرق ست ساعات إلى 90 دقيقة فقط. وكشف إطلاق النار عن أن سلستروم وفريقه في محور اهتمام القوى السياسية داخل سوريا. وسلستروم هو ورقة اللعب الأخيرة قبل ما يتوقع أن يكون حملة عسكرية جديدة تقودها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فقد حمل وزير الخارجية الأميركي الأسد مسؤولية الهجوم المزعوم بالأسلحة الكيماوية في 21 أغسطس الجاري بضواحي دمشق، ووصف استخدام مثل هذه الأسلحة بأنه «فحش أخلاقي»، قائلا إن دعوة النظام للمفتشين لزيارة الموقع جاءت «متأخرة بدرجة تضر بمصداقيتها». والنتائج التي يتوصل إليها سلستروم قد تضفي مشروعية أمام العالم على تدخل أميركي في سوريا، وقد تقدم دعماً لأعداء واشنطن. إنه موقف شاذ لرجل ليس دبلوماسياً وليس جنرالا، فما هو إلا عالم مشهور على نطاق ضيق ومتخصص في مجال استثنائي وحساس سياسياً. وقال تشارلز دولفر، نائب رئيس فريق الأمم المتحدة الذي فتش في العراق عن أسلحة الدمار الشامل بعد حرب الخليج، «أعرف آكي، إنه شخص رائع وياله من موقف رهيب يوجد فيه.. سوف يتعرض لضغط هائل. كيف سيعرض ما يجده؟ إنه أمر صعب للغاية». ويتوقع أن تضغط الولايات المتحدة وروسيا على المفتشين ليتبنوا رؤيتيهما للأحداث. وقال دولفر إن وزير الخارجية الروسي من جانبه «يسعده كثيراً أن يُرجم المفتشون بالحجارة إذا كان الأمر يخدم غرضه... فهو يريد أن يبقي الكثير من الغموض على هوية منفذ الهجوم بقدر المستطاع». والسير وسط حقول الألغام السياسية هذه ليس من تخصص سلستروم. فهو عالم في منتصف العقد السابع من العمر، ويحمل درجة الدكتوراه من جامعة جوتنبيرج السويدية. لكن التحديات الأساسية في إجراء تفتيش ناجح عن الأسلحة الكيماوية ليس علمياً بل سياسياً. ويعمل دزينان ساهوفيتش مع سلستروم في مركز «سي. بي. آر. إن» الأوروبي، وهو منظمة بحثية صغيرة متخصصة في تلبية حاجات الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة فيما يتعلق بالمواد الكيماوية والبيولوجية والإشعاعية والنووية. وقال ساهوفيتش: «ما نتحدث عنه من جانبا هو العلم في الأساس؛ كيف يمكننا فعل هذا بطريقة علمية صحيحة.. وكما يُظهر الكثير من المواقف بوضوح فهناك سياسة أكثر من العلم. لكن هذا ليس جزءاً من عملنا». ويرى ساهوفيتش أن تركيز سلستروم على العلم أكثر من السياسة هو ميزة وليس عيباً. ويقول إن اختيار دبلوماسي أو شخصية سياسية ليقود فريق الأمم المتحدة كان سيعرّض الجهود لاتهامات بالتحيز. واختيار خبير شهير في المجال يوضح أن «هذا تحقيق علمي مستقل». ويثور السؤال بشأن مدى تأثير ما قد يتوصل إليه فريق سلستروم على الجدل الدولي بشأن سوريا. فكل الأطراف تعترف حالياً أن هجوماً بالأسلحة الكيماوية وقع في دمشق. وتقول روسيا والنظام السوري إن المتمردين هم من نفّذ الهجوم، بينما تتهم الولايات المتحدة وبريطانيا الأسد بشنه. وبموجب التفويض الذي تم التوصل إليه بين نظام الأسد والأمم المتحدة، فليس من حق فريق التفتيش تحديد المسؤولية عن الهجوم. فهل يستطيع سلستروم أن ينشر معلومات تعزز أو تضعف حجة أي من الجانبين؟ ويعتقد كثير من الناس أن الإجابة بنعم. وبينما لا يستطيع سلستروم أن يتهم صراحة نظام الأسد أو المتمردين، فإنه يستطيع نشر معلومات تشير بقوة إلى طرف أو آخر مما يسمح لأمين عام الأمم المتحدة بتوجيه اتهام بالفعل. وطور النظام السوري أسلحة كيماوية لعقود في استراتيجية قصد بها التصدي لتهديد البرنامج النووي الإسرائيلي. وقال دولفر إن النظام السوري حصل على بعض الأنظمة المتطورة للحفاظ على مخزوناته، وأضاف مثبتات كيماوية للمواد السامة وأنتج ذخيرة ثنائية تمزج بين السلائف الكيماوية لخلق مادة سامة بعد إطلاق صاروخ أو قذيفة هاون. لكن إذا لم يتبين أن العنصر السام المستخدم في دمشق يتضمن مثبتات كيماوية وأن طريقة شن الهجوم أكثر بدائية، فهذا قد يرجح كفة الجانب الروسي ونظام الأسد. وقال ماجنس نوريل، المستشار السياسي البارز في المؤسسة الأوروبية للديمقراطية، إن وجود موقع التفتيش في منطقة حرب دائرة لا يهدد فقط سلامة المفتشين، لكنه قد يدمر الأدلة أيضاً. وأضاف: «قصف قوات المدفعية الحكومية لضواحي دمشق الشرقية في الأيام القليلة الماضية، ربما دمر أي فرصة لإثبات ما حدث». ------ ديفيد كينر محلل سياسي أميركي ------- ينشر بترتيب مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»