«الخدمة المدنية والفلسطينيون في إسرائيل»، كتيب صادر عن «مركز الدراسات المعاصرة» في أم الفحم، جاء بهدف معلن هو رفع مستوى وعي أبناء فلسطين 48 لهذا المشروع ووأده قبل أن يستشري في صفوف الشباب، خاصة مع وجود مروجين له من فلسطينيي 48 ممن غرر بهم فسقطوا في شباك ألاعيب دولة الاحتلال ومخططاتها السوداء. فمعلوم أن المجتمع الفلسطيني في أراضي 48 يواجه تحديات في صميم وجوده وثقافته وهويته أساسها العمل على التشويه الأخلاقي لكل هذا. و«الخدمة المدنية» هي إعلان بارز على درب الولاء لدولة الصهاينة، مثلما هو توجه إسرائيلي لتعزيز طابع الدولة اليهودي، أي استبدال الترانسفير بالولاء. بمعنى أن «الخدمة المدنية» هي جزء من التشديد على الطابع اليهودي للدولة وإضفاء الشرعية عليه، خاصة وأنه، في إسرائيل، كما جاء في كتاب «تعدد الثقافات والمواطنة» الصادر عن جامعة أكسفورد: «لا يتم تأسيس خطاب الحقوق، سواء الفردية أو الجماعية، على المواطنة (مادة الحياة للنظام الديموقراطي) بل تشتق الحقوق من الانتماء العضوي إلى المجموعة المهيمنة وليس من تعريف الفرد مواطناً». والتوجه الإسرائيلي العام يعتبر أن الحقوق لا تستند على المواطنة بل على الولاء للمجموعة التي تمثلها الدولة (وهي في هذه الحالة المجموعة اليهودية المهيمنة) أو إلى الخدمة التي يقدمها المواطن في الحيز العام وفق تعريف الدولة. وبما أن الترانسفير -حتى الآن- قد فشل، فإن حسم ولاء العرب من خلال «الخدمة المدنية» كفيل بحل أحد أكبر هواجس إسرائيل المستقبلية. وعليه، فإن الدولة الصهيونية التي تسعى لجمع شتات يهود العالم في ("أرض إسرائيل")، وإنشاء دولة يهودية في ("أرض إسرائيل")، تكون وطناً آمناً لليهود في ("أرض إسرائيل")، هي ليست دولة كل مواطنيها وإنما دولة اليهود فقط. إن ما تهدف إليه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية هو تمرير مخططها الرامي إلى تجنيد فرد (أو أكثر) من كل عائلة عربية في الجيش الإسرائيلي لطمس هوية المجتمع الإسلامي والعربي والفلسطيني. هذا، رغم أن «الخدمة المدنية» لن تؤدي إلى حصول فلسطينيي 48 على كامل المساواة مع اليهود، وهذا يتضح جلياً من خلال التعامل مع الجنود الدروز. فواقع هؤلاء، وغيرهم من العرب، يثبت أنهم يعيشون حياة الفقر والبطالة كباقي فلسطينيي 48، ثم أنهم لم يحصلوا على كثير مما وعدوا به، وعليه فإن «الخدمة المدنية»، وحتى العسكرية، لن تؤدي بحال من الأحوال للمساواة بين الطرفين، لأن الحديث يدور عن نقص حقوق كثيرة للمواطنين العرب، فضلا عن أن اشتراط الحصول على الحقوق مقابل أداء الواجبات مرفوض وغير مألوف في الدول الديمقراطية الحديثة... على عكس حال فلسطينيي 48 مع الدولة الصهيونية. إذن، الواقع هو عكس ما يروج له المسؤولون الإسرائيليون، والذي من جملته «المساواة في الحقوق» إذا ما أدى العرب ما عليهم من واجبات نحو الدولة. وفي هذا، يقول الدكتور إبراهيم أبوجابر، مدير مركز الدراسات المعاصرة، «إن الواقع يجري عكس ذلك. فها هم الدروز يؤدون الخدمة العسكرية وليست المدنية، لكن أوضاعهم المعيشية في الحضيض، في حين أن زملاءهم اليهود يحظون بالعطايا السخية وفرص العمل الذهبية». ويقول مهند مصطفى، الباحث في المركز ذاته: «الحصول على الحقوق المطلبية اليومية يتم من خلال التخلي عن الكرامة والهوية الوطنية. الخدمة المدنية تأتي في سياق صراع طويل خاضه فلسطينيو 48 ونخبهم السياسية والثقافية في سبيل الوصول إلى المعادلة الحساسة بين الهوية الجماعية والقضايا المدنية». لذا، يمكن التأكيد على أن «الخدمة المدنية» تهدف، ضمن أمور كثيرة، إلى التعامل مع الأقلية العربية كمهاجرين وليس كسكان أصليين، ذلك أنه من طبيعة المهاجرين الاندماج وقبول رموز وقيم الدولة المهيمنة. ومن أخطر ما في «الخدمة المدنية» كونها تنزع شرعية العرب كأقلية أصلية لها حقوق ثقافية وكرامة وطنية. ويوضح الدكتور أبوجابر في دراسة بعنوان «الخدمة المدنية وإسقاطاتها التربوية والقيمية على الشباب العربي»، فيقول: «الخدمة المدنية مرفوضة لأن حقوق فلسطينيي 48 لا تقف فقط عند مخصصات هنا وهناك وإعفاءات ورسوم تعليم وبدل بطالة وتخفيضات ضريبية، وإنما على إرث ديني مقدس وتاريخي وحضاري». كما أن المتطوع (الخادم) سيدفع نحو حالة من الشقاق الداخلي في المجتمع العربي، مما سيؤدي إلى خلق خلايا سرطانية في الجسم العربي. ولنا أن نتخيل أن من سيقف أمام المتظاهرين في سخنين والناصرة وأم الفحم هو ابن جلدتهم، ومن سيمنع تنظيف المقابر وصيانة المقدسات هو ابن جلدتهم الذي تعرض لعملية غسيل دماغ مبرمج ومنظم». لقد أكد مؤتمر مناهضة «الخدمة المدنية» الذي عقد في الناصرة مؤخراً، أن رفض «الخدمة المدنية» هو «رفض مبدئي وسياسي ضد مجمل سياسات الدولة الصهيونية الخطيرة والخبيثة المعمول بها تجاه الفلسطينيين. فنحن هنا نتعامل مع المشروع كجزء ومركب واحد من مجمل السياسيات والقوانين التي تسن في السنوات الأخيرة بغية قمع الهوية الفلسطينية وكبح المطالب السياسية للفلسطينيين، والقوانين التي تطبق على أرض الواقع سياسات فصل عنصري». ومن هنا تأتي أهمية زيادة وعي الشباب العرب بحقيقة أن «الخدمة المدنية» ما هي إلا مقدمة للخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي. وهي جزء من عملية أوسع، بل هي ذروة هذه العملية، أي «الأسرلة». وإذ نمتدح جهود قيادات الجماهير العربية في فلسطين 48 بتعزيز انتماء الشباب للمجتمع والالتزام بتنميته، نؤكد مع أهلنا هناك على ضرورة تعزيز دور الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني تجاه مسؤوليتها بتحديد الخطوات العملية ووضع إستراتيجية نضالية موحّدة للتصدي عملياً لهذا المخطط الإسرائيلي القديم الجديد. ذلك أن عملية «نزع الشرعية» عن فلسطينيي 48 مستمرة منذ عقود، وهي جوهر الصراع المدني في إسرائيل. ورفض «الأسرلة» هو جوهر صراع فلسطينيي 48 في الحفاظ على هويتهم الجماعية والقومية. وتؤمن الدولة الصهيونية أنه لن تتم عملية إضفاء «شرعية المواطنة» على فلسطينيي 48 إلا عبر اعترافهم بطابع الدولة اليهودي و«خدمتهم» في مؤسساتها الأمنية.