لا شك أن وفرة المياه في المنطقة العربية هي المسألة الحاسمة في تحديد بوصلة صراع البقاء واستمرارية الحياة في هذا الجزء من العالم، ودق ناقوس الخطر والحروب القادمة، فالمنطقة التي يقطنها 5 في المئة من سكان الكرة الأرضية لديها فقط 1 في المئة من مجموع الموارد المائية في العالم. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، تعاني 12 دولة عربية من نقص شديد في المياه، وتمثل الزراعة 85 في المئة من إجمالي استهلاك المياه العذبة في منطقة الشرق الأوسط، بينما حصتها في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز 8 في المئة تقريباً، وهذا الاستنزاف في موارد المياه العذبة يصاحبه غلاء متصاعد في المعيشة وزيادة مطردة في مساحات التجمعات الحضرية والتصنيع مع ارتفاع يعد بين الأعلى في العالم في معدل النمو السكاني، وفشل في تبني المبادئ الأساسية للمحافظة على المياه وطاقة كافية لتحلية مياه البحر والصراعات الإقليمية، مما أدى إلى تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين الداخليين ونقص شديد في الوعي العام. ولم يترك هذا في المستقبل القريب للدول العربية خياراً عدا الاتجاه إلى الاقتصاد الأخضر الذكي للتغلب على الشح الإيكولوجي ومنع خسارة التنوع الإحيائي والبقاء المستدام ككيانات سياسية واقتصادية ذات ثقل عالمي وإيجاد فرص عمل كثيرة وسهولة إيجاد قطاعات صناعية جديدة، ستغير معطيات الوظائف المستقبلية في القطاعين العام والخاص. ومن جهة أخرى، فإن أهمية الجهود الإقليمية الرامية إلى دمج قضايا المياه في السياسات الوطنية والدولية أصبح أمراً لا غنى عنه لأنها ستساعد في إيجاد الآليات اللازمة للحد من الأزمات المحتملة الناتجة عن نقص المياه، مثل الإجهاد المائي، والأمن الغذائي هما أيضاً على المحك كما تعتمد المنطقة العربية على موارد المياه الشحيحة لأغراض الري، وتستورد بشكل كبير الموارد الغذائية الرئيسية، أو تستثمر في الأراضي الزراعية في أجزاء أخرى من العالم، وفق معدل نمو يقرب من 6.8 مليون شخص سنوياً. والتحدي الرئيسي المشترك بين أكثر الدول العربية هو توافر المياه لأغراض الري على نطاق واسع، وإنتاج الغذاء لإطعام الناس أو للحصول على عائدات من الصادرات الزراعية. ففي إحدى الدول العربية، يستخدم 12 في المئة فقط من المياه لأغراض الاستهلاك المحلي، في حين يستخدم 84 في المئة في الزراعة في هدر مستمر للموارد المائية مع ندرتها وعدم تغطيتها حتى لربع الاحتياج المحلي من المحاصيل الزراعية الرئيسية، وخاصة في ظل الصراع القائم على منابع مياه الأنهار، واستخدامه كسلاح غير تقليدي وورقة محورية في التفاوضات وتحقيق مكاسب استراتيجية تخدم مصالح دول مصادر المنابع المائية والدول الأخرى التي تتعاون معها كورق ضغط على دول العالم العربي، وإخضاعها لضغوط شعبية داخلية، وإجبارها على بعض التنازلات في التزاماتها وتعاونها مع منظومة الدولة الأمة العربية والإسلامية. فهل تقع المشكلة في التقليدية المستخدمة في تحلية المياه في الوطن العربي، وعلى نطاق واسع في ظل تكلفة باهظة واستخدام مكثف للطاقة، وصعوبة تطبيق التقنيات الحديثة، وارتفاع التكلفة وتأثيرها على التنمية بالنسبة للبلدان الفقيرة في العالم العربي بسبب تزايد تكاليف الوقود الأحفوري واستنزافه بالإضافة إلى ذلك، تعتبر الآثار البيئية لتحلية المياه موضوعاً حرجاً ناهيك عن الانبعاثات الناجمة عن استهلاك الطاقة وتصريف الماء المالح في البحر، ولذلك ينبغي التركيز على تطوير آليات تحلية المياه باستخدام الطاقة البديلة واتخاذ إجراءات سريعة لتنفيذ خطط للإدارة المتكاملة للموارد المائية، بما في ذلك إدارة الطلب على الموارد المائية المتاحة، واعتماد التكنولوجيا المتقدمة، وتعزيز المحافظة على المياه في الاستخدامات المنزلية والصناعية والزراعية، لأن المنطقة هي واحدة من المناطق الأكثر جفافاً في العالم. ويقول تقرير صادر عن المنتدى العربي للبيئة إن أكثر من 70 في المئة من أراضي الوطن العربي جافة، ومن المرجح أن تزداد اتساعاً وسوءاً كما سيؤدي تغير المناخ إلى تفاقم الوضع. وبحلول نهاية القرن، ستشهد الدول العربية انخفاضاً بنسبة 25 في المئة في معدل هطول الأمطار، وزيادة مماثلة في معدلات التبخر: «ونتيجة لذلك، ستهدد محاصيل وكمية ونوعية الزراعة البعلية (التي تعتمد على مياه الأمطار)، مع متوسط غلة يقدر أن ينخفض بنسبة 20 في المئة، وبالتالي أهمية وجود بيانات ذات تحديث ذاتي وغير ذاتي دائم، تتقاسم بين جميع الأطراف بسرعة فائقة ودقة متناهية وبسلاسة. وثمة مثال على ذلك، يكمن في التحديات التي تظهر بصورة مستمرة جراء ضعف تقاسم البيانات العلمية المحكمة والموثقة، كما في الصراع بين مصر وإثيوبيا، والتفاهم المشترك حول مياه نهر النيل. ومثال آخر هو شن عشرين طائرة تركية من طراز F-16C في الماضي هجوماً على السدود السورية، التي تقع على الجانب السوري من نهر الفرات ومعضلة اتفاقيات وقعت قبل 50 سنة على سبيل المثال بنسب معينة، لا تتناسب مع النمو السكاني، واستخدامات الطاقة الحالية والتي تعد غير عادلة للدول العربية وحتمية المواجهة وهي مسألة وقت إنْ لم يتدارك الوضع وفق صيغة وتحكيم دولي محايد، خصوصاً وأن 65 في المئة من موارد المياه العربية من خارج حدودها. وحسب ما ذكره الدكتور محمود أبوزيد رئيس المجلس العربي للمياه، فإن 13 بلداً عربياً تعاني من ندرة المياه ضمن أخطر 19 دولة على مستوى العالم في ندرة المياه وتناقص نصيب الفرد العربي من المياه العذبة إلى دون حد الفقر المائي في 18 دولة عربية. وإذا نظرنا إلى مشكلة مثل مشكلة حوض نهر الأردن على سبيل المثال، فإن حوض نهر الأردن مصدر للصراع بين إسرائيل وفلسطين ولبنان وسوريا والأردن منذ تأسيس الكيان الصهيوني الإسرائيلي. وكانت القضية الرئيسية استخراج المياه لأغراض الري والأثر الذي يتركه على الأمم المتشاطئة على المصب. فإسرائيل تستخدم أكبر قدر من المياه المتاحة في الحوض، تليها الأردن وسوريا، وتستخدم الضفة الغربية أصغر كمية، وهذا الخلاف بين الأطراف المتشاطئة لا يزال مصدراً أساسياً لتصاعد التوتر، ومن نتائجه كانت حرب الأيام الستة عام 1967، وفي عام 1964، حين قصفت إسرائيل منابع نهر «دان» أو القاضي على نهر الأردن، وفي وقت لاحق في عام 1965 و 1966، استهدفت خطة سورية لتحويل منابع نهر الأردن (الحاصباني وبانياس)، وكان ذلك استباقاً لمشروع يهدف إلى نقل المياه في إسرائيل، وهو مشروع كان يهدف ولا يزال إلى إدماج جميع مشاريع المياه الرئيسية في الشبكة الوطنية واستنزاف وسرقة المياه الجوفية من دول الجوار، وليس فقط كما يدعي الإسرائيليون بأن مهمته الرئيسية نقل مياه بحيرة طبريا في الشمال إلى المراكز ذات الكثافة السكانية العالية، وإلى الجنوب القاحل، واستخدام المياه بكفاءة وتنظيم إمدادات المياه في إسرائيل. وإذا كنا نتساءل: هل ستتنازل إسرائيل في يوم عن الأراضي التي تسيطر عليها في الضفة الغربية وهضبة الجولان؟ ولماذا تبني مستوطنات دون توقف؟ والجواب أن تلك الأراضي والمستوطنات جوهر أمن إسرائيل القومي وبقائها كدولة وليست مسألة تأصيل الاستعمار وفرض عضلات فقط. وفي ما يخص حوض دجلة/الفرات، فالنهران ينبعان من تركيا، علماً أن الدول الثلاث بنيت السدود على الأنهار لأغراض الزراعة، والطاقة الكهرومائية، والتصنيع، فسوريا تحصل على ما يقرب من 85 في المئة من إمداداتها من المياه المتجددة من الحوض، في حين يحصل العراق على 100 في المئة من موارده المائية من النهرين، وستواجه العراق أزمة حقيقية هي الأكبر في تاريخها خلال القرن القادم علماً أن الفجوة المائية، أدت في نصف القرن الماضي لخسارة العراق ما يقارب 40 في المئة من أراضيها الزراعية ومشروع «كاب» أو «غاب» الذي تمضي فيه تركيا قدماً هو أكبر مشروع مائي في العالم وسينتج عنه 22 سداً و19 محطة للطاقة الكهربائية ومشرعات أخرى. وفي المقابل تبني إيران السدود وتغير مجرى أنهار في إقليم الأهواز وذلك لاحتكار مياه الأنهار، مما يؤثر على حصة الأهوازيين والعراقيين. وهؤلاء العراقيون يتصارعون على المذاهب، ومن هي الجهة التي تسيطر على البلاد والدولة تنزف ببطء نحو كارثة مائية لن تدع فيها من يهنئ بالحياة، ولن تسأل الكارثة عن مذهب وعرق الضحايا. فليس سراً أن تركيا تسمي مياه دجلة والفرات المياه التركية العابرة. ولا تعترف بدوليتها مع نقص مائي في العراق بنسبة 50 في المئة من احتياجاتها الحقيقية التي تقدر بـ69 مليار متر مكعب، وما هي إلا البداية، والقادم سيكون هو الأسوأ، فالتحديات التي تواجه الوطن العربي من كل الجوانب ليست مجالاً للتأجيل، وسيكون الوقت متأخراً كثيراً إنْ لم تعمل الدول على وحدة عربية على غرار الاتحاد الأوروبي، بل منظومة أفضل منه وبأسرع وقت لتدارك ما يمكن تداركه في جميع مناحي الحياة.