هناك محاولات من المراقبين والسياسيين العرب لفهم ما يربط بين الولايات المتحدة وكل من قطر وتركيا وإيران وحركة «حماس» -وهي أطراف مختلفة تماماً عن توجهاتها- في قضية دعم موقف «الإخوان المسلمين» في مصر بعد عزل مرسي. وتزداد الرغبة في فهم هذا الموقف الأميركي الغريب بعدما أظهرت اعتصامات مؤيدي مرسي وجود أفراد من تنظيم «القاعدة» بين المعتصمين، واعتقال أفراد ينتمون إلى التنظيم جاؤوا من خارج مصر. بل إن الأمر زاد عندما رفع أفراد منهم أعلام «القاعدة» في الميادين المصرية، ما استدعى إعلان الدول الأخرى دعمها للسلطة الحالية في مصر. هناك قراءة أوروبية وأميركية خاطئة، تربط بين أسباب «الربيع العربي» والتيارات الإسلامية الحزبية أو السياسية، ما جعل مراكز صنع القرار تعتقد أن هذه التيارات يمكن أن تكون هي صاحبة القرار في دول «الربيع العربي»، وربما تزداد القراءة الخاطئة عندما يرفضون استيعاب أسباب الثورة المصرية الثانية التي عملت على عزل مرسي. إذا استوعبنا موقف «حلف» قطر وتركيا وإيران، وكذلك «حماس»، باعتبار أن التوجه السياسي واحد وهو دعم هذه الأطراف لتيار «الإخوان المسلمين» (مع ملاحظة أن هناك «شماتة» إيرانية في سقوط مرسي لأنه لم يستفد من وجود إيران لدعم موقفه خلال فترة رئاسته، وأن مسألة عزله ربما لم تكن بهذه السهولة على الأقل لو كانت هناك علاقات سياسية تسمح لإيران بمساعدته ميدانياً) فإنه يكون طبيعياً أن يقف المراقب مستغرباً أمام هذا الإصرار الأميركي، باعتبار أن الولايات المتحدة بذلك الموقف تخسر موقف الدولة المصرية كحليف استراتيجي في المنطقة منذ أيام السادات. وتزداد الغرابة في الموضوع أيضاً إذا علمنا أن الدول التي تساند إرادة الشعب المصري الذي فوَّض الجيش في إنفاذها، تضم روسيا والصين، وطبعاً معها في ذلك مواقف دولة الإمارات والسعودية والبحرين والأردن، وهم حلفاء استراتيجيون لواشنطن. الموقف الروسي لا علاقة له بمناوأة السياسة الأميركية في المنطقة، باعتبار أن الأمر أكبر من ذلك، بل إن روسيا ومعها دول آسيا الوسطى رفضت استقبال قيادات من «الإخوان» لتمنع انتشار الإسلام المتشدد في هذه الدول التي عانت من تنظيم «القاعدة»، ما يؤكد وجود مؤشرات تستدعي الالتفات إليها، ويؤكد إدراك الإدارة الأميركية أنها تساند الإسلام المتطرف الذي بدت مظاهره أثناء حكم «الإخوان» في مصر عندما تم إقصاء كل القوى المجتمعية. من الناحية النظرية، فإن التحليلات تشير إلى أن وقوف الولايات المتحدة مع التيارات المتطرفة من أجل اكتساب مصر والفوز بها باعتبارها الدولة الأهم في المنطقة التي لا توازيها أي دولة أخرى، وبالتالي فإن دعمها لـ«الإخوان»، سببه السعي لاكتساب نفوذ على الدولة المصرية، وهذا ما لم تحققه خلال الفترات السابقة. هذا «الاكتساب» هو الرابط بين المواقف الداعمة لـ«الإخوان» في المنطقة بالكامل، وليس مصر فقط. عملياً؛ فإن واشنطن على يقين من أن وجود تيار الإسلام السياسي يسهل عليها تنفيذ برامجها في إقليم الشرق الأوسط، وهي تقتصر على عاملين في هذا التوقيت، هما: الحفاظ على أمن إسرائيل، والسيطرة على الإسلاميين المتطرفين في منطقة الشرق الأوسط. هناك تجربة نعيشها أثبتت أن «الإخوان» أكثر من يقدم خدمة للسياسة الأميركية في المنطقة، وهي تركيا «الأردوغانية». وربما يندرج هذا المشروع تحت بند توسيع دور حلف شمال الأطلسي (مبادرة إسطنبول) الذي كان أحد مهامه الدخول في اتفاقيات دفاعية، لكن لأهداف سياسية في الشرق الأوسط (الحوار المتوسطي)، وكانت تركيا هي الدولة الراعية لهذا المشروع. لذا فإن المحللين يؤكدون أن نجاح أردوغان في إبعاد العسكريين من السلطة لم يكن بعيداً عن الإدارة الأميركية، باعتبار أن الجيش من المؤسسات الوطنية التي يمكن أن تُقاوم أي تأثير على القرار الوطني التركي. وتشير أحداث التاريخ إلى نجاح الولايات المتحدة في الاستفادة من خدمات الإسلام المتطرف في بداية الثمانينيات، عندما استطاعت أن تستخدم المتطرفين في حرب أفغانستان، ولذا فلا مانع من الاستفادة منهم خلال هذه المرحلة أيضاً طالما كانت المصلحة متوافقة، وطالما كانت هناك لغة يمكنها تهدئة المتطرفين الإسلاميين داخل أوروبا، خاصة أن «الإخوان» في مصر أعطوا مؤشرات للإدارة الأميركية على إمكانية تحقيق التهدئة لهم، لاسيما عندما أوقفوا صواريخ «حماس» التي كانت تُطلق على إسرائيل، وسيطروا على سيناء. هذه هي الطريقة المثلى في تفسير الأسباب التي تقف وراء تحالف الولايات المتحدة مع المتطرفين الإسلاميين. فحسب معرفتنا فإنها لا يهمها من يحكم، وإنما المصلحة السياسية والاقتصادية هي المحرك، ولذلك فإن أمل الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها كان منصباً على أن يستقر «الإخوان» في السلطة وأن يستمر أردوغان في نجاحاته، حتى تكون قادرة على التأثير في مسلمي أوروبا، وبالتالي ليس مهماً إذا ما تحولت منطقة الشرق الأوسط إلى فوضى. إذا ركزنا بصورة أكبر على الأحداث التي مرت بها المنطقة منذ عزل مرسي، فسوف نجد أن هروب أفراد من تنظيم «القاعدة» في عدد من الدول (ليبيا وباكستان والعراق واليمن) هو إحدى نتائج رغبة التحالف في نشر الفوضى، وكذلك محاولة تهريب مجموعة من السجناء في مصر الأسبوع الماضي، وكانت نتيجتها مقتل 36 سجيناً اختناقاً، وبالتالي لا ينبغي أن نستغرب كثيراً من عدم دعم تحرك الجيش المصري من جانب الولايات المتحدة. الفكرة أن القوى السياسية الوطنية في الدول العربية، تسببت في مشكلات للسياسة الأميركية والغربية على عكس الإسلاميين، وبالتالي كان اعتقادهم أن وصول الإسلاميين إلى السلطة قضية حُسمت في الدول العربية. وقد سمعت تعليقاً في إحدى الجلسات الرمضانية على هروب مجموعة من أعضاء تنظيم «القاعدة»، مفاده أن الأمر سيكون مثالياً لو أن متطرفي أوروبا من الإسلاميين يستمعون إلى توجيهات «الإخوان» كما يستمعون إلى تلك التوجيهات التي تصدر لهم عندما يقومون بعمل في الدول العربية، خاصة في سيناء وغزة.