الحدث المصري الكبير الذي تمثل في خروج الملايين في تظاهرات لم يشهد لها التاريخ مثيلاً على وجه المعمورة، مطالبة بسقوط حكم ونظام «الإخوان»، واستجابة الجيش المصري للإرادة الشعبية وعزل الرئيس مرسي، وما تلا ذلك من رفض جماعة «الإخوان» وأنصارها الاعتراف بالواقع الجديد، ثم لجوئها إلى اعتصامات مسلّحة امتدت 48 يوماً بهدف تعطيل مصالح الناس والإضرار بالمصالح العامة وتنظيم مسيرات تهاجم المنشآت وتعطل المرور وتخرب وتدمر وتحرق الكنائس وأقسام الشرطة وتشتبك في مصادمات عنيفة مع الشرطة والأهالي وتتسبب في سقوط القتلى والجرحى... كل ذلك بهدف إرباك الحكم الجديد ومنع تطبيع الأوضاع وتعمّد إراقة الدماء للمتاجرة بها لكسب التعاطف الخارجي والاستقواء به لعودة حكم الرئيس المعزول، ورفض كل الحلول السلمية وجهود الوسطاء الدوليين لفض تلك التجمعات المسلّحة والتي شكلت كابوساً للمصريين، وما أعقب ذلك من اضطرار الدولة المصرية إلى التدخل لفض هذه البؤر المحصَّنة الخارجة على النظام والمخلة بالأمن، بالقوّة، والقبض على قيادات «الإخوان» المتورطة في التحريض على العنف ومقاومة الدولة بالقوة... كل هذا الحدث العظيم الذي سمي «ثورة 30 يونيو» بدأ يفعل مفاعيله الإيجابية خارج الساحة المصرية، في تونس، حيث المعارضة الشعبية الواسعة ضد حكومة حزب «حركة النهضة» الحاكم، والتي نراها اليوم تستقوي، نفسياً وسياسياً وإعلامياً، بالحدث المصري، لتصعد معارضتها وتصمم على مطالبها بحل المجلس التأسيسي (البرلمان) المكلف بصياغة الدستور التونسي الجديد، وإقالة الحكومة الحالية التي يهيمن عليها حزب «النهضة» الحاكم، وتشكيل حكومة إنقاذ وطني (غير حزبية) من الكفاءات الوطنية، برئاسة شخصية مستقلة. وفي المقابل نجد الحزب الحاكم بقيادة أمينه العام راشد الغنوشي في موقف ضعيف، فبعد أن كان رافضاً تغيير الحكومة، اضطر إلى طلب وساطة الاتحاد العام لنقابات العمال لإيجاد مخرج سياسي للأزمة. ومع أن الغنوشي أعلن قبوله مبادرة الاتحاد العام إلا أن المعارضة التونسية لا تزال تصعد وتحشد الآلاف فيما سمّته «أسبوع الرحيل»، إذ ترى في إعلان الغنوشي مجرد مناورة لكسب الوقت وشق صف المعارضة للالتفاف على المبادرة. والتساؤلات المطروحة على خلفية الحدث التونسي: هل يفيد حزب «النهضة» الحاكم في تونس من الحدث المصري الكبير ويجنب نفسه السقوط السياسي والمجتمعي الذي آل إليه حكم «الإخوان» في مصر؟ هل تستطيع المعارضة التونسية استثمار الحدث المصري لتحجيم تيّار الإسلام السياسي ووضعه في حجمه الحقيقي؟! هل يتدخل الاتحاد العام للشغل لصالح المعارضة ليشكل عنصراً ضاغطاً على الحزب الحاكم؟ في تصوري أن تيَّار الإسلام السياسي في تونس بلغ من النضج السياسي ما يمكنه من تجنب السقوط الكبير الذي حل بـ«الإخوان» في مصر، وحزب «النهضة» وإن كان تياراً سياسياً إسلامياًَ إلا أنه يختلف عن «إخوان» مصر في رؤيته السياسية للدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، فهو الأقرب إلى النموذج التركي الإسلامي في تصوره لعلاقة الدين بالدولة والمجتمع. وأتصور أن الحدث المصري سيكون عاملاً مساعداً في تجاوبهم مع المطالب الشعبية وفي جعلهم أكثر مرونة وباراجماتية، وبخاصة أن المناخ الثقافي السياسي في تونس، المتأثر بالتراث البورقيبي من جهة والمعرّض لرياح البحر المتوسط القادمة من الغرب، يساعد بدوره أيضاً في تقبل الحزب الحاكم المشاركة السياسية الواسعة لكافة الأطراف والأطياف السياسية، بخلاف «إخوان» مصر الذين انتهجوا منهج «المغالبة» بدلا من «المشاركة». ومن هنا، أتصور أن حزب «النهضة» التونسي إذا استوعب تجربة الحكم وأفاد -حقاً- من دروس سقوط «إخوان» مصر، واقتدى بالنموذج التركي، يستطيع أن يقدم «نموذجاً عربياً ناجحاً» يجمع بين الديمقراطية الغربية ومبادئ وأخلاقيات الإسلام في الحكم. هناك اليوم في الساحة العربية الواسعة، رفض شعبي عام وقد يصل إلى الكراهية لممارسات تيّارات الإسلام السياسي، ومن هنا على هذه التيارات إعادة النظر في أطروحاتها ومراجعة مسلكياتها في عملية نقد ذاتي ومكاشفة. عليها أن تنشغل بالحدث المصري للإفادة من دروس الإخفاق، إذا أرادت أن تحافظ على ما تبقى من رصيدها الشعبي. ولعلنا نتذكر في هذه المناسبة، رسائل وتحذيرات «بن كيران»، رئيس الحكومة المغربية والأمين العام لـ«حزب العدالة والتنمية» المغربي، ذي المرجعية الإسلامية، لكافة الجماعات السياسية الإسلامية، من أن الشعوب إذ صوتت لها فذلك لكونها أحزاباً سياسية منوطاً بها حل مشاكلهم السياسية والاقتصادية وحماية حقوقهم وأمنهم، لا ليطبقوا على مجتمعاتهم فهمهم الخاص للإسلام، لأنه ليس من حق فصيل سياسي مهما بلغت أغلبيته أو دعواه بفهم صحيح الدين، أن يفرض على المجتمع والدولة رؤيته الإسلامية (الأسلمة) والتي يختلف معها الآخرون، من الإسلاميين وغيرهم، ولأنه: 1- لا احتكار في الإسلام لفهم الدين، ولا يملك الحقيقة المطلقة إلا الله تعالى وحده، وعلى الإسلاميين تقبل نسبية الحقائق السياسية والاقتصادية والاجتماعية. و2- أن الإسلاميين لا يحملون تفويضاً مطلقاً بفرض «الأسلمة» لسبب بديهي وبسيط، هو أن مجتمعاتنا ليست بحاجة إليها، ولأنها مسلمة بطبيعتها وبثقافتها وبتقاليدها وبهويتها، تحيا بالإسلام إيماناً وتعاملاً وشعائر وتشريعات وقيم وأعراف، من قبل الإسلام السياسي ومن بعده، والإسلاميون لن يضيفوا إلى إسلامية مجتمعاتنا شيئاً إلا بقدر ما يظهروا من التزام بأخلاقيات الإسلام، وهذا ما افتقدناها في «إخوان» مصر.