استراتيجية ضد «كيماوي» بشار... وتلاشي التأثير الأميركي على مصر كيف يمكن الرد على استخدام قوات بشار السلاح الكيماوي ضد المدنيين السوريين؟ وماذا عن خطر تقسيم سوريا لمنطقتين واحدة للمعارضة وأخرى لبشار؟ وهل يتلاشى التأثير الأميركي على مصر؟ تساؤلات نضعها تحت الضوء ضمن إطلالة سريعة على الصحافة الأميركية. الرد على «الكيماوي» يوم أمس الثلاثاء، وتحت عنوان «استراتيجية التعامل مع سوريا لا تعتمد فقط على القوة العسكرية»، رأت «واشنطن بوست» أنه بعدما اقتنعت إدارة أوباما بأن بشار الأسد استخدم أسلحة كيماوية ضد المدنيين، تفكر واشنطن في رد عسكري، فاستخدام السلاح الكيماوي على نطاق واسع يراه وزير الخارجية الأميركي «فحشاً أخلاقياً»، ما يتطلب- حسب الصحيفة- الرد. لكن هذا الرد يجب أن يكون ضمن استراتيجية أوسع نطاقاً تهدف إلى التأثير على نتائج ومخرجات الحرب السورية. ومنذ ما يزيد على عامين، وإدارة أوباما تتجنب صياغة استراتيجية من هذا النوع، وضمن هذا الإطار، لم يتجاوز رد أوباما حدود الإدانة عندما تعامل الأسد بعنف شديد مع تظاهرات سلمية، أوباما أكد أن الديكتاتور السوري على وشك السقوط، لكنه لم يلتقط الإيماءات الأميركية، وشن حرباً على شعبه معتمداً على روسيا في الحصول على السلاح وإيران ووكيلها «حزب الله»، واستخدم الصواريخ ضد الأحياء السكنية، والنتيجة أن أكثر من 100 ألف سوري قد لقوا حتفهم، وشُرد الملايين منهم، ناهيك عن ملايين من المصابين، ورغم ذلك لا يبدو أن الأسد يخسر المعركة. وحسب الصحيفة، فإن النتائج التي كان أوباما يخشى وقوعها في حال أقدم على التدخل في سوريا، قد وقعت الآن من دون تدخل. وضمن هذا الإطار، أصبحت سوريا ملاذاً لآلاف المقاتلين التابعين لتنظيم «القاعدة»، كما انتشر العنف في البلدان المجاورة لسوريا مثل لبنان والعراق، وحلفاء الولايات المتحدة مثل تركيا والأردن يواجهان مخاطر تتعلق باستضافة مئات الآلاف من اللاجئين السوريين. والآن- وحسب تقارير «منظمة أطباء بلاحدود»، تم استخدام أسلحة دمار شامل على نطاق لم يحدث منذ قيام صدام بقصف منطقة حلبجة الكردية عام 1988، ويبدو أن الأسد لم يعد في حسبانه سوى خوف قليل من تجاوز «خطوط أوباما الحمراء». وترى الصحيفة أن أوباما كان على حق منذ بداية الأزمة السورية، وذلك عندما وجد أنها لا تتضمن خيارات جيدة للولايات المتحدة، هذا صحيح طالما أن واشنطن ظلت متحفظة. وبدعم غربي محدود، فإن قوى المعارضة السورية التي تسعى لتدشين سوريا ديمقراطية تضم طوائف وتيارات متعددة، تجد نفسها أمام تحديات منها قوات الأسد والمقاتلون الإسلاميون الراديكاليون، وهذا لم يعد مفاجأة. لكن الحقيقة التي تقول إنه لا توجد نتائج جيدة أو حتى خيارات مقبولة في الأزمة السورية، لا تعني أن كل النتائج تتساوى في سوئها. ومن مصلحة الولايات المتحدة أن تجد قوة معتدلة، وهذا ما كانت ترغب فيه منذ عامين، وهذا لا يمكن تحقيقه عبر صواريخ «كروز» بل من خلال الصبر والمثابرة. الولايات المتحدة لا تستطيع فرض نتيجة في الأزمة السورية، ومن الغباء إرسال قوة برية لتحقيق سيناريو ما، لكن يمكن ممارسة نفوذ في حال جمعت واشنطن بين تسهيلات عسكرية وتوفير السلاح والتدريب والعمل الدبلوماسي، الخيار العسكري قد يتطلب تدمير القوات الموالية لبشار التي استخدمت أسلحة كيماوية، وأيضاً استهداف عناصر من القوات الجوية السورية الضالعة في قصف المدنيين، مع توفير ملاذات آمنة للمدنيين الذين ينشدون الحماية. والتحرك العسكري الأميركي سينظر إليه كمكون لسياسة تعترف بمصلحة واشنطن في تشكيل مستقبل سوريا. تجاوز «الخط الأحمر» من جانبها نشرت «كريستيان ساينس مونيتور» يوم الجمعة الماضي افتتاحية، جاءت بعنوان «سوريا تقفز على الخط الأحمر»، وتوصلت خلالها لاستنتاج مفاده أنه بعدما بات من شبه المؤكد استخدام النظام السوري أسلحة كيماوية، فإن الرد الدولي بات أمراً لا يمكن تجنبه. الصحيفة أشارت إلى أن رحيل نظام الأسد هو السيناريو الأفضل سواء للمنطقة، أو للسوريين أنفسهم، وتوقع الصحيفة أن الأسد لن يسحق المتمردين على نظامه، وسيتجه بدلاً من ذلك نحو السيطرة على جزء من الدولة السورية، يعاني سكانه ولديه اقتصاد مُدمر، وسيعتمد في هذه الحالة على إيران وروسيا. وإذا سيطر الأسد على جزء من سوريا وخضعت بقية البلاد لسيطرة المعارضة، فإن المناطق التي ستخضع لقوات المعارضة، ربما تتحول إلى إقطاعيات خارجة عن القانون، وستكون كلتا المنطقتين، سواء الخاضعة لسيطرة المعارضة، أو التي سيهيمن عليها بشار، معادية لإسرائيل الحليف الأقرب لواشنطن في المنطقة. ومن المحتمل- حسب الصحيفة- أن يواصل المعتدلون السوريون الهرب إلى الأردن أو بلدان أخرى تاركين بلاداً أكثر راديكالية. الولايات المتحدة وعدت بتسليح المعارضة، لكن لم تتسلم هذه الأخيرة أية أسلحة، ومن ثم يتعين على واشنطن تزويد المعارضة السورية بالسلاح كخطوة أولى في إطار الوعد الأميركي. حان الوقت كي تعمل الإدارة الأميركية عن كثب مع حلفائها لصياغة خطوات للرد على النظام السوري، وهذه استراتيجية لا تخلو من مخاطر. لابد من التحرك وفي افتتاحيتها ليوم الجمعة الماضي، ربطت «لوس أنجلوس تايمز» بين التأكد من استخدام الحكومة السورية السلاح الكيماوي وضرورة التحرك الأميركي ضدها، لافتة الانتباه إلى أن إدارة أوباما لم تتخل عن حذرها تجاه الأزمة السورية، حتى عندما تأكدت من استخدام النظام السوري كميات قليلة من غاز السارين ضد معارضيه في يونيو الماضي، لكن إذا ثبت استخدام السلاح الكيماوي على نطاق واسع ضد المدنيين، فإنه يتعين على الولايات المتحدة أن تتحرك بالتعاون مع دول أخرى، وترجح الصحيفة فرض منطقة حظر للطيران مصحوبة بضربات جوية كخيار للتعامل مع التطورات السورية الأخيرة. «تخبط على النيل» في مقاله المنشور بـ«نيويورك تايمز» يوم الأحد الماضي، وتحت عنوان «تخبط على النيل»، توصل «بوب كيلر» إلى قناعة بأن واشنطن لم يعد لديها تأثير على مصر، التأثير لا يعني أن تقديم عدد محدود من طائرات F-16 يضمن للأميركيين تعاون جيش دولة أجنبية، والدليل على ذلك أن ما جرى في باكستان، كما أن مصير مصر يجب أن يكون بيد المصريين أنفسهم، لكن لدى الولايات المتحدة مصالح استراتيجية مهمة في جعل مصر ديمقراطية، وهذا ما أكد عليه أوباما أكثر من مرة. الكاتب تطرق إلى تجربة التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية التي تخلصت من الهيمنة السوفييتية، وبعدها حصلت على دعم أميركي- أوروبي، سواء في صورة أموال أو خبراء، إضافة إلى منح هذه الدولة مكانة جديدة تمثلت في الحصول على عضوية منظمات تعد أندية للبلدان المتحضرة مثل «الناتو» والاتحاد الأوروبي. لكن الحالة المصرية تختلف عما جرى في أوروبا الشرقية، فمصر ليست بولندا، والاتحاد الأوروبي لم يعد بقوته الاقتصادية التي كان يتمتع بها في السابق، والأميركيون فقدوا شهيتهم الخاصة بالتدخل الخارجي، كما لا توجد في الشرق الأوسط منظمات شبيهة بـ«الناتو» أو الاتحاد الأوروبي. الكاتب ذكّر بأن أميركا عندما مارست دوراً قيادياً محدوداً، استطاعت تعبئة جبهة غربية موحدة تدفع في اتجاه معايير وضعها أوباما في 2011، وآنذاك طُرحت حوافز لكافة الأطياف المصرية للبقاء في مسار المصالحة السياسية والنمو الاقتصادي. وثمة مجهود بذلته فرنسا في العام ذاته، كان يرمي لتوفير نظام دعم جماعي لديمقراطية «الربيع العربي» لكن الأمر لم يتجاوز مرحلة الشعارات.الكاتب طرح السجال الدائر حول المعونة الأميركية لمصر، مشيراً إلى أن الأموال تُبقي على خطوط اتصال مفتوحة مع المصريين، وتساعد على ضمان استمرار الالتزام باتفاقيات كامب ديفيد، والمرور السهل من قناة السويس للسفن الحربية الأميركية، وإذا أوقفت واشنطن معونتها للقاهرة، فإن السعودية والإمارات ستوفران البديل. ويحمل تعليق المساعدات الأميركية مصر خطراً يتمثل في أن الشباب المصري الذين يشاطرون الأميركيين في بعض قيمهم، وهم الأكثر اعتدالاً وعلمانية وأسقطوا «الإخوان» ودعموا جيشهم، سيشعرون بأن واشنطن خذلتهم، ويرى الكاتب أن مصر تمر بلحظة وطنية في تاريخها والاستياء الشعبي من واشنطن يعد مصدر قلق حقيقي على المدى القصير. كما يوجه المعتدلون المصريون اللوم لواشنطن عندما غضت الطرف عنهم في وقت حاول فيه مرسي السيطرة على كل شيء. إعداد: طه حسيب